خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

المعرفة للجميع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صيغة السّرد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غيلوس
Admin


عدد المساهمات : 60
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 17/04/2009

مُساهمةموضوع: صيغة السّرد   الإثنين مايو 09, 2011 8:23 pm




توطئة
استكمالاً لموضوع تقنيات السرد في القصة، تعرج الدراسة إلى فحص جانب مهم من تقنيات السرد وهو ما يعرف بـ الصيغة السردية أو هيئة السرد وما يتعلق بها من مفاهيم: المنظور والمسافة، والتبئير أو وجهة النظر. وكلها تتوحد في رصد الكيفية التي يروي بها الراوي ما يرى. أو سرد ما يراه من خلال وجهة نظره لا ناقلاً نقلاً فوتوغرافياً للحدث الحكائي. ومؤكد ما وجهة النظر هذه تتحدد بنوع العلاقة التي تربط الراوي بالقصة أو شخصياتها أو أحداثها. وكذلك ماهية الراوي نفسه وموقعه من عملية السرد من حيث الحضور (شاهد على الأحداث) أو الغياب (يروي ما يراه من دون علم بما سيجري ولماذا جرى).
تحت مقولة هيئة السرد تختفي علاقة جدلية وحيوية أيضاً بين (المؤلف) و(الراوي)؛ فالمؤلف يختفي تحت جلباب الراوي وينطق بلسانه هو فيكون الراوي وسيلة تقنوية تحت تصرف المؤلف يصرف من خلالها وجهة نظرة (المؤلف) حتى كأن الراوي هو الروح الناطقة للمؤلف. لهذا قيل أن (تقنية الراوي الشاهد في السرد الروائي تعادل تقنية آلة التصوير في العمل السينمائي، والوظيفة في كلتا الحالتين هي التقاط المرئي ونقله إلى القارئ أو المشاهد)( ).
ولعل مقولة هيئة السرد من المقولات المهمة في علم السرد الحديث( ) لأنها كشفت عن جانب مهم وأساس في طرائق السرد القصصي والروائي حين ميزت بين المؤلف والراوي من جهة، وكشفت عن البعث الذاتي في سرد الأحداث، فالمؤلف لا يمكن أن يكون موضوعياً لأن العمل الأدبي الذي يسرده إنما يصل إلى متلقيه من خلاله هو فلا بد أن يكون مطبوعاً بروحه ووعيه ودرجة ثقافته ومواقفه تجاه الأشياء الواعية منها وما يستنبطه عالم اللاوعي العميق. واشتقت كلمة (صيغة) من (mode) التي يدل معناها النحوي على أشكال الفعل المختلفة التي تستعمل لتأكيد أمر مقصود، وللتعبير عن وجهات النظر المختلفة، إذن فهي القدرة على رواية ما يرى وطرق ممارسته من وجهة نظر معينة، وهي عند (جينيت) تعني (شكل الخبر السردي)( ) ودرجات تمثيله للحكاية فهي تفيد معرفة كمية التفاصيل ومستوى المباشر ودرجتها، وبعد المسافة التي تفصل بين الراوي والحدث، فضلاً عن تنظيم الخبر المختار للرواية، بمعنى تحديد المسافة الفاصلة بين الراوي والحدث والحدث رؤية ومكاناً وموقفاً. فكان هذا المفهوم مسهماً في حل إشكالية موقع المؤلف والراوي في عملية السرد بين الذاتية والموضوعية، فالموضوعية الصرف لا وجود لها في العمل الأدبي إذا كان المقصود بالموضوعية التجرد التام وعدّ الأدب شهادة لغوية يدلي بها المؤلف. ولا الذاتية المحضة التي تتجوهر حول الذات وعنها. إنما تتم عملية السرد (عن طريق) الذات وليس (عنها)، فالذات المبدعة هي صاحبة الرؤية وهي المتصرف في توجيه عناصر القص في ضوء البواعث والمحفزات والأهداف.
لهذا كان مصطلح (المنظور) أهمية خاصة في بحث هيئة السرد لأنه يتقصى ذلك (الاختلاف) في وجهات النظر الأمر الذي يسهم إسهاماً فاعلاً في علاقة المرسل/ المتلقي منطلقاً من النص ويحيل إليه( )، وعلى الناقد أن ينطلق من قناعة كون المؤلف القاص فناناً، من هنا كانت الضرورة قائمة على فهم أسلوبية هذا الفنان من خلال نصوصه وتصوراته التي أنجز بها أعماله، وهذه الأعمال والنصوص هي مخلوقات هذا الفنان وتجسدات قدرته وإبداعه، فما عليه هو الفعل والخلق ثم يأتي الناس بعد ذلك ليتأولوا ويتفحصوا ويتذوقوا. لهذا نظر بعض النقاد الفرنسيين إلى وظيفة السارد في القصة كفعل الخلق الإلهي فيقول (يجب على السارد أن يقلد الله في إبداعه، أي أن يفعل ويصمت)( ) يذكرني هذا القول بالحديث القدسي (كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أُعرف، فخلقْتُ الخلق لكي أُعرف).
من هنا كانت عملية الخلق الأدبي عملية موجهة إلى متلق مفكك لسننها موئل لدلالاتها لذا كان حضور المتلقي في النص هو الإطار الذي يجب أن ينطلق منه الناقد في تسبيب استخدام بعض التقنيات دون غيرها، من كاتب لآخر ومن نص لآخر، منطلقين في حقيقة الفارق المهم بين الحكاية والسرد، فما دامت القدرة قائمة على كتابة الحكاية الواحدة بملايين الطرق والأساليب والاتجاهات، فإن الحاجة لا شك قائمة في الحديث عن مفهومات (المسافة) و(المنظور) وتمنظراتها الإجرائية، بوصفها جميعاً يشكّلان مظهراً من مظاهر (الأدبية) في النص القصصي. وباجتماعهما يتشكل ما يعرف بـ(الصيغة السردية) التي تشكل الجانب الثاني من منظومة البحث في السرديات، وهو ما يطلق على الكيفية التي يتم بها سرد ما يحكى في القص من معلومات. فالقصة تبث للقارئ بشكل مباشر أو غير مباشر مع المحافظة على (مسافات) تختلف في قربها أو بعدها من حالة إلى أخرى. يكون الراوي متحكماً بكم ودرجة المعلومات التي يبثها تبعاً لدرجة معرفة الشخصيات المشاركة في الحدث بها..
حيث يقوم ما يعرف بـ(الرؤية) أو (وجهة النظر) أو (نقطة الرصد) بتحديد منظور الأحداث المروية( ).
من هنا، برز في موضوعة الصيغة السردية، مصطلحان في صيغ السرد هما: المسافة (distance) والمنظور (perspective) تتحدد على أساسهما المعلومات التي يقدمها النص السردي. وفيما يأتي عرض اصطلاحي مع استيفاء الجانب الإجرائي على متون القص الصوفي.
1-المسافة السردية:
مصطلح يعنى بتحديد البعد الذي يفصل بين الفاعل والمشاهد أو بين الراوي والقائم بالحدث. وهذه المسافة هي التي يستند إليها (منظور) الراوي في وجهة نظره التي يروي المروي في ضوئها. والمسافة السردية من المصطلحات السردية المهمة ولا يعني ذلك أنها تخص الحقل السردي فقط إنما تدخل في فن الرسم والتشكيل والسينمائيات والبلاغة والتصوير أيضاً( ). ويرى (جينيت) أن أول من كان قد تناول هذه المسألة هو أفلاطون في جمهوريته، وهو يتحدث عن الشاعر حين يكون بين صيغتين سرديتين ساعة يكون المتكلم هو الشاعر نفسه( )، ودعا أفلاطون هذه الصيغة بـ حكاية خالصة، حين يبذل الشاعر جهوده ليحملنا على اعتقاد بأنه ليس هو المتكلم، بل شخصية ما، وما عدا ذلك من الأقوال فيسميه أفلاطون محاكاة. وعلى الرغم من كون وقفة أفلاطون لا تتعلق بالنص السردي. إلا أن سلامة النظر إلى جهة الراوي، يمكن أن تكون أول بادرة إلى تقصي هذا الجانب بشكل أكثر تحليلاً وأكثر دقة. كما حدث في أميركا وانكلترا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين تأصلت أساسيات نظرية الرواية على يد هنري جيمس وتلاميذه وبخاصة في مصطلحيه: العرض والقول، ففرق بين تمثيل النص ومحاكاته، وروايته. والقول إنما هو لغة واللغة تدل وترمز وتشير دون أن تقلد وتحاكي.
من هنا، كان لزاماً التمييز بين مقولتين وصيغتين في السرد:
(حكاية الأحداث وحكاية الأقوال)( )، وتتم الصيغة الأولى بسرد المقاطع غير الحوارية في القصة التي إذا ما أعيدت كتابتها (روايتها) من الناقد أو أي قاص آخر، لأمكن اختزال عدد الكلمات إلى حد كبير من خلال تحكم المؤلف بنمط أو تحديد مجالات القص وتكثيف الحدث والتركيز على المهم من الأحداث. وفيما يأتي إجراء تطبيقي على هذا التحكم بالسرعة السردية على الطريقة التي اصطنعها أفلاطون مع النص الهوميري( ) فلو أخذنا- على سبيل المثال- قصة (عطاء الأزرق وجراب القمح)، وطبقنا عليها طريقة أفلاطون لظهرت على النحو الآتي:
رواية المؤلف رواية الباحثة
(دفعت إليه امرأته درهمين من ثمن غزلها ليشتري الدقيق فخرج من بيته فلقي جارية تبكي فقال لها: ما بالك؟ فقالت: دفع لي مولاي درهمين أشتري لهم شيئاً فسقطا مني فأخاف أن يضربني. فدفع عطاء الدرهمين إليها ومر على حانوت صديق له ممن يشق الساج وذكر له الحال وما يخاف من سوء خلق زوجته. فقال له صاحبه: خذ من هذه النشارة في هذا الجراب لعلكم تنتفعون بها في سجر التنور إذا ليس يساعد في الإمكان في شيء آخر، فحمل النشارة وفتح باب داره ورمى بالجراب ورد الباب ودخل المسجد إلى ما بعد العتمة ليكون النوم أخذهم ولا تتطيل عليه المرأة. فلما فتح الباب وجدهم يخبزون الخبز...)( ) دفعت إليه امرأته درهمين ليشتري لهم دقيقاً، فوجد في الطريق جارية تبكي أضاعت درهمين دفعهما إليها مولاها، وقضى عطاء نهاره إلى ما بعد العتمة في حانوت صاحبه النجار شاكياً له حاله وخوفه من سوء خلق زوجته فدفع إليه جراباً فيه نشارة إذ لا يساعده الإمكان في شيء آخر. فحملها إلى داره وإذا به حين يعود إلى بيته ليلاً يجدهم يخبزن خبزاً مما كان في الجراب من دقيق...
يتضح الفارق بين الروايتين من حين المسافة السردية المستغرقة في فضاء اللغة (91 مفردة مقابل 57 مفردة بين الروايتين) ويحدث مثل هذا التكثيف من خلال حذف فضول الكلام ونوافله كالأوصاف وشرح الأسباب، وكلام النفس والحوارات، والتكرار بغية التوكيد... وهكذا، وهذا لا يعني بحال، عدم حاجة السرد إلى هذه النوافل؛ فهي تؤدي وظائف سردية ودلالية لها أهميتها على الصعيد الفني والموضوعي والبنائي في أي قصة فهي تدخل في تشكيل مكونات البنية السردية، والوظائف والمحفزات والزمن أيضاً. إلا أن المقصود به هنا هو إيضاح ذلك الجانب النسبي الذي يشخص في كل عملية سرد لأي حكاية فهذه النوافل هي مهيمنات أسلوبية السارد التي لا تشبه بالضرورة، أي سرد لسارد آخر. فهو يروي حدثاً من خلال نظره هو.
ولعل اقتراب صيغة السرد الصوفي من رواية الخبر أو الحادثة من حيث التركيز على الخبر الرئيس والحدث المركزي وربط المكونات الأخرى بخيط سردي يؤول إلى مهمة لها علاقة بالحدث المركزي،.. هو الذي يجعل صيغة حكاية الأحداث تميل إلى التركيز على الحدث وليس اللغة، وعلى الفحوى وليس التقنية إلى حد ما، لا كما نجد ذلك معكوساً في القصص الروائي الحديث الذي يعمد وسائل تقنية للتأثير وإبراز أسلوبيته التي تطيل السرد لا لغاية تخص أحداث الرواية قدر ما تخص براعته الأسلوبية، وذكاء إدارته لآليات عمله السردي( ).
أما (حكاية الأقوال)( )، فهي تخص طرائق سرد المشهد والحوار وتفاصيل الحدث الخاص المنقول بلفظه من على لسان الشخوص بوصفه حكاية عن الحوار الفعلي الذي تداولته الشخصيات فعلاً في الحكاية. والراوي في هذا النوع من الحكاية يحول الخطاب السردي إلى أقوال سواء أكان منها مونولوجاً داخلياً أو حواراً خارجياً مسموعاً. وفي هذا اللون من الخطاب يفترض الراوي تطابقاً بين الواقعة المشهدية الفعلية وسرعة الخطاب المعبر عنها، ويكون في إمكان السارد أن يكتفي باختزال الحدث وتكثيف العبارة من خلال حذف الأقوال الحوارية بين الشخصيات لتتكثف في بضع جمل تشير إلى الحدث إجمالاً. لكن الراوي في هذا اللون من الحكاية، يهدف إلى جملة مرام من أن التناسب بين كمية البيانات (الأحداث) والأدنى من المرسل إلى المتلقي، يميل بدوره إلى مشكلة الزمن في السرعة السردية، لأن كمية المعلومات تمضي في اتجاه واحد معاكس لسرعة الحكاية، لهذا ميز (جينيت)( ) بين ثلاث حالات للخطاب الملفوظ أو الداخلي للشخصيات في السرد وهي:
1-خطاب مسرود أو محكي وهي الأكثر بعداً والأكثر إيجازاً فالراوي يجمل الفكرة ويستغني بذلك عن حوار الشخصيات.
2-خطاب منقول بأسلوب غير مباشر، سواء ما كان حواراً داخلياً أم ملفوظاً كأن تقول: قلت لصديقي أنه علي القيام بأمر ما، أو خطر في بالي أن أقوم بهذا الأمر... ميزة هذه الحالة أنها لا تضمن نقلاً حرفياً للحكي.
3-الخطاب المنقول وهو محاكاة خالصة للحكاية الشخصية فيه تتحدث بنفسها عن نفسها خلال الحكاية الأقوال تفصيلاً وكأنه يلتقط مشهداً واقعياً جرى بين الشخصيات، ونستطيع إجمال بعض هذه المرامي في اللمحات الآتية:

1-أن الراوي يناور في هذا الأسلوب لكي لا تأتي صيغة السرد على شكل واحد وطريقة واحدة تؤدي إلى السأم.
2-كسب تصديق المتلقي، المروي له من خلال نقل (حرفي) لواقعية المشهد وكأنه (يمثل) أمامه وبسيناريوه الخاص.
3-دافع جمالي تذوقي يوحي بسعة خيال الراوي وقدرته على التقمص، وكلما كان هدف الراوي محاكاة الواقع إلى أقصى درجة ممكنة كان التزامه أكثر بحكاية الأقوال.
ويبقى عنصر المناوبة والمناورة أو ما يسمى بـ(تعدد الصيغ) هو الأهم في توجيه السرد هذه الوجهة. وكلما تنوعت صيغ السرد وتعددت، كان أدعى إلى نجاح عملية السرد، وتفوق القصة فنياً وتذوقياً. في القص الصوفي يتوفر النوعان على حضور واضح في نماذج كثيرة منه، فكلما وجدت حكاية الأحداث كذلك توجد حكاية الأقوال، فيلجأ الراوي إلى التنوع الأول لاختزال بعض المواقف والأحداث وصولاً إلى الحدث المركزي، ويكون استخدامه للصنف الثاني أحد الدواعي المهمة لكسب تصديق المتلقي وتفاعله مع مضمون القصة، إذا ما نقلت له- حسب رواية الراوي طبعاً- نقلاً مشهدياً حرفياً وكان الراوي شاهداً على الحدث فنقله بجمله، وعباراته، وحواراته ووقفاته... ويغلب نوع حكاية الأقوال على القصص الذاتي والاسترجاعي، أما حكاية الأحداث فتغلب على القصص الموضوعي. ولا يعني ذلك خلوها من النوع الأول، فالنوعان من الرواية يتوزعان على مجمل الأنواع القصصية الصوفية بوصفه أسلوباً فنياً تقنياً يملك زمامه الراوي.
2-المنظور:
تأتي دراسة (المنظور) من حيث كونها ضرورة متعلقة بدراسة البعد أو المسافة السردية، وهي قضية لها قدرها من الأهمية لكونها تكشف عن مستويات عرض الحكاية من خلال موقعية الراوي بإزاء الحدث والشخصيات، هذا على الصعيد المنهجي، من وجهة نظر فلسفية ثقافية عامة، نجد أن عقلية الإنسان تتحكم إلى حد كبير في تجسيد المجردات أو محاكاة التجسدات، فيظهر البعد الذاتي النسبي الخاص الذي يطبع بميسمه العمل المحكي. والإنسان لا ينقل الحدث (كما هو)، إنما ينقله (كما شاهده هو).. أو المقدار الذي استوعبه منه وهذا يسوغ (اختلاف) الرواة لحدث (واحد). وهذا أمر تتوفر عليه مجمل نواحي الحياة وميادين العلوم الإنسانية التي يدخل الاجتهاد والبعد الذاتي في فهمها وتحليلها ونقلها.
ويقصد بالمنظور أو وجهة النظر اصطلاحاً نقدياً بأنه (حيلة تقنية، ووسيلة للوصول إلى أهداف أكثر طموحاً، وهي الوسيلة التي في متناول المبدع ليكشف عن نواياه الخاصة لكي يؤثر في الجمهور (حسب رغباته). ولا يحكم على هذه التقنية إلا من خلال علاقتها بالمفاهيم الأكثر عمومية للمعنى والأثر الذي استخدم لتحقيقه( ).
ويبدو أن هذه الضرورة العامة والخاصة، هي التي دعت إلى اهتمام الدارسين والمنظّرين لمشكلة المنظور عند تحليلهم للتقنيات السردية كما يرى ذلك جينيت( ) حين عرض للنظريات التي سبقته وبخاصة نظرية (بروكس ووارين) الانكليزيين حين عرضا لمصطلح (وجهة النظر) تحت تسمية (البؤرة السردية) وهي تسمية موفقة على رأي جينيت- والإجابة على سؤال مهم: من الشخصية التي توجه وجهة نظرها المنظور السردي؟ أو من الرائي؟ ومن المتكلم؟، فوضعا تنميطاً رباعي الأطراف ومجدولاً بحسب موقع المنظور داخلي أو خارجي والمستوى الثاني يتصل بالشخصية الراوية على أساس غياب الراوي أو حضوره في الحدث. فيتحدد موقع البؤرة والمنظور وتبع هذه النظرية مقولات أخرى كثيرة عرض لها جينيت( ) نظراً للارتباط القائم بين الصيغة والصوت أي بشخصية الراوي، فلا بد أن يقوم هناك تنويع سردي يمزج بين الصيغة والصوت، لهذا قر قرار (جينيت) على التعامل بثلاث مصطلحات توفر هذا المزج، وتغطي مجمل الصيغ التي يتبناها أي راوٍ سواء في القص القديم أو الحديث. وهي: ونصطلح عليها بتسميات الفرنسي (بويون):
1-الرؤية من الخلف، وتسمى باصطلاح النقد الانكلوساكسوني بـ(الراوي العليم) تكون فيه الشخصية الراوية محيطة علماً بكل الأحداث لهذا يرمز لها بـ(الراوي > من الشخصية).
2-الرؤية مع، يكون الراوي معرفة فيها تتساوى معرفة الشخصية ويرمز لها (بالراوي = الشخصية).
3-الرؤية من الخارج، يكون الراوي فيها أقل معرفة من الشخصية ويرمز لها بـ(الراوي < الشخصية).
وفق هذه المصطلحات يمكن تحديد بؤرة سرد كل نمط رؤيوي منها. فكان النوع الأول: قصة معدومة البؤرة والثاني: قصة مبأرة، والنوع الثالث: قصة ذات بؤرة خارجية حيث يمارس البطل أعماله من غير أن نعلم نواياه وأهدافه ومشاعره.
إن ما قيل في موضوعة (المسافة السردية) يصح ذكره هنا من حيث أن القصة الواحدة لا نفترض أن يتصيغ منظورها السردي على نمط واحد، وهذا دليل مرونة، وطبيعة نقية عند المؤلف، فهو يتقلب بين هذه الصيغ بحكم حاجة السرد إليها أو إحساسه بحاجة السرد إليها مما يثبت في النهاية السمة الأسلوبية الخاصة التي تميز سرداً عن آخر.
وفق هذه الرؤية التي تؤمن أن مضامين الأشياء وأهداف الخالق هي التي تفرض شكلية الأشكال، فلا نملي قناعات ونخلق منها قانوناً، إنما ننظر في طبائع الأشياء، وتختلف في تأويل أسباب اللجوء إلى تلك الأشكال اعتماداً على الغايات والفحوى والدلالة. فعلى صعيد القص الصوفي، نجد أن بؤرة السرد في منظور الراوي وموقعه من شخصياته والأحداث، ذات صفة مهيمنة يحددها النوع بمعنى أن الأنماط الثلاثة التي اقترحناها نموذج إجرائي للدراسة، قد تشكلت وفق المنظور الذي يتخذه الراوي من مرويه: ذاتي وموضوعي واسترجاعي، وعليه تكون البؤرة السردية تابعة لنمط القص ونوعه.
جدول رقم (5)
موقع البؤرة السردية ضمن أنماط القصة الصوفية
الأنماط
البؤرة الذاتي الموضوعي الاسترجاعي
الرؤية من خلف أكثر أكثر أكثر
الرؤية مع أكثر أقل أقل
الرؤية من الخارج أقل أقل لا توجد
هذا المخطط يبين بلغة مكثفة نسبة تحديد وجهة النظر في الأنماط السردية. ولكن أسباب اختلاف هذه النسب وتفاوتها، يعود إلى القراءة والتأويل التي يمارسها: الراوي أولاً من خلال تحديده لزاوية نظره وموقعه من الأحداث والشخصيات من ناحية الحضور والغياب، ثم يمارسها القارئ/ الناقد معتمداً على واقع النصوص، وما يمكن استشفافه منها استنتاجاً وتأويلاً. ففي القصص الذاتي مثلاً، يظهر واضحاً أن أسلوب الراوي العليم الذي يدرك جميع الأشياء هي الزاوية التبئيرية المهيمنة في هذا النمط، لأن القصص الذاتي إما يكون بلغة الأنا- الراوي نفسه، وهو في سرده إنما يقص شيئاً قد وقع له فامتلك زمام العلم به. أو أن يرويه عنه شاهد رافق الصوفي أو كان واحداً من شخصيات الحدث، فرؤيته قريبة من رؤية البطل نفسه. وكذلك الرؤية (مع) حين يكون الراوي حاضراً لكنه ليس عليماً، وهذا يوجد بكثرة بسبب نظام التلمذة الصوفية، فلكل صوفي مريدون وتلامذة ومؤيدون، يراقبون تجربته، ويتحرون حركاته وسكناته لأنه نموذج مجسد للفكرة الصوفية.
أما القصص الموضوعي فلا وأن يلائمه شكل الرواية بصيغة (الراوي العليم). فهي حكاية مصنوعة، متخيلة في الغالب- لأهداف حكمية لا يعلم أسرارها وأحداثها وتطوراتها إلا الراوي، أما القصص الاسترجاعي فهو قريب الشبه بالنمط الأول الذاتي، لهذا فالراوي /الرائي فيها هو البطل والشاهد معاً على أحداث الرؤيا/ الحكاية. لهذا لا يمكن أن تكون معرفة الراوي بالحدث من الخارج أو أقل من الشخصية بسبب ذلك الازدواج في الأدوار والمهمات، ويظهر في نوع آخر من الرؤى والمنامات بأن (يُرى) فيها البطل في منام من قبل آخرين، تكون الرواية فيها بمعية البطل/ المرئي وليس الراوي/ الرائي إلا شاهداً متزامناً مع الأحداث ينقل ما يراه (في رؤيا) بحسب المقدار الذي تمنحه إياه الشخصية الرئيسية. فهو شخصية ثانوية في داخل الرؤيا، وراوٍ في عالم اليقظة.
نخلص من هذا، إلى تقرير حقيقة استنتاجية تؤكد أن وجهة النظر التي يتبناها الراوي هي التي تحدد نمط المنظور وصيغته التي لا بد أن تتسق وتتناسب مع طبيعة النص ومراميه ودلالاته.
3-تعددية الصيغ:
تمت الإشارة في فقرة سابقة إلى أن عنصر المرونة في تنوع الصيغ السردية والأصوات في القصة، يعد من المظاهر المحمودة في مستويات السرد في القصة الواحدة تدعو إليه ضرورات نصية تشير- فيما بعد- إلى الوظائف التي من أجلها سرد السارد على تلك الصيغة أو على غيرها- سيكون لها موضع خاص في هذا الفصل تستوفي فيه وظائف السارد- وقد عني بمسألة تعدد الصيغ ووظيفتها في سياق السرد الدارسون وأصحاب المناهج، فـ(سارتر) مثلاً يرى: أن المحكي المبهم الضمير ينزع إلى الميل ببساطة إلى الرزانة واحترام حرية الشخصيات. حين يبدو السارد فيها جاهلاً بنيات شخصياته وأفكارهم( ). أما على الصعيد السير-ذاتي فلا وجود لداعٍ إلى احتجاب السارد لأن القصة أساساً هي كشف عن الذات تعني بالواقع الفعلي الذي يرغب السارد بسرده، فيكون موضع التبئير مركزاً على وظيفته سارداً وليس بطلاً. على هذا فهو متوزع بين ذاكرة الفاعل وذاكرة السارد في تنظيم الخبر السردي. وبحسب موقع الشخصية وعلاقاتها بالسارد فالخبر السردي يمكن أن يبث بأشكال وصيغ أربع:
1-أن تكون الشخصية لسان حالها.
2-أن يقدم الشخصية شخص آخر في القصة.
3-أن يقدم الشخصية سارد.
4-أن تقدم الشخصية نفسها بنفسها والسارد والشخصيات الأخرى جميعاً( ).
وترتبط صيغ السرد وأشكاله بموقع التبئير في السرد، فعلى أساسه يتحدد صوت السارد للشخصيات. وتعدد هذه الصيغ لا يمنع تداخلها وتفاعلها في خبر سردي واحد بل يكون ذلك أدعى إلى تفنن السارد في إدارة عناصر النص وشخصياته وأحداثه، فضلاً عن أن مقدار تقبل المروي له والمتلقي يكون أكثر استجابة وتفاعل وتأثر( ).
وكثيراً ما ترد في القص الصوفي صيغة سردية تبدأ بـ(الراوي)- (حكي أن)، (قيل أن...) (سمعت أن فلاناً...)... الخ، فيعرض لنا نفسه واسطة لتشخيص ماهية (السارد)، ثم يسلم زمام السرد إلى السارد ليسرد الحكاية بلغة الأنا- على أكثر النماذج الصوفية- مضامين الخبر السردي وشخصياته وحوارها، وليس ضرورة أن يكون السارد بطلاً، إنما يجوز كونه أحد الشخصيات المحاورة للحدث أو الملازمة للبطل، كقصة (الصبي والسمك)( ) فالراوي أبو عبد الله ابن الجلاء يسلم قياد السرد إلى إحدى شخصيات الحكاية وهو ابن صاحب الدار الذي ضيف الصبي الصوفي حين اكتروه ليحمل لهم السمك إلى الدار، فتمر جميع الأحداث إلينا من منظور هذا الابن/ السارد الذي يعلم علماً محيطاً بجميع الشخصيات والأحداث والأقوال والنيّات وحديث النفوس. وبدا التعدد في صيغ السرد على نحوٍ أكثر وضوحاً في رؤيا الوهراني في مواضع متعددة:
أ-راوٍ عليم يستهل السرد بـ(فغلبته عينه بعد ذلك فرأى فيما يرى النائم...)( ).
ب-يبدأ السرد مع السارد الذاتي( ).. (فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر...).
جـ-متن الرؤيا ينصب في قالب (الرؤية المصاحبة) عن طريق نقل الحوارات والأقاويل والهواجس في لحظات الفزع الأكبر.
وكذلك الأمر في القصص الموضوعي، فإنه يتراوح بين السرد من السارد العليم، والرواية المصاحبة في نقل (أو تخيّل) الحوارات والأحداث التفصيلية والمجملة التي تشير إليها رموز القصص الموضوعي.
4-وظائف السارد:
يستقرئ (جينيت) خمس وظائف يؤديها السارد في تنظيمه وإدارته للحدث السردي، بحسب نموذجه الإجرائي( ).
والوظائف هي:
الوظيفة السردية، وظيفة الإدارة، وظيفة الوضع السردي، والوظيفة الانتباهية أو التواصلية، والوظيفة الأيدلوجية.
هذه الوظائف الخمس المستنبطة من النموذج الإجرائي الذي اعتمده (جينيت)، لا يفترض وجودها معاً( )، فقد تستغرق وظيفة واحدة مجمل الحدث السردي لحكاية ما، ولكن التنوع دليل حرية السارد في تأدية مهمات متعددة في إمكانها الارتفاع بمستوى النص القصصي إلى مستوى النص المفتوح الذي يقبل التعدد والتنوع في الاستجابة والقراءة والتلقي، فيكون بذلك قد اكتسب صفة السهل الممتنع في كثرة متلقيه واختلاف مستوى تلقيهم.
في القص الصوفي تطغى (الوظيفة)( ) الفكرية الأيديولوجية في توجيه عناصر القص، ونيّات السارد، وإدارة آليات السرد لكي تتبنى الفكرة الصوفية وتحمل محتواها الروحي والوجداني والعرفاني لكي تكتسب القيمة الإقناعية المطلوبة من لدن المريدين وسالكي الطريق الصوفي، من هنا ارتبطت (الوظيفة الأيديولوجية) بـ(الوظيفة التواصلية) ففي التجربة الصوفية هناك شيخ ومريد وهذا لا يمنع وجود الوظائف الأخيرة وكل ما يصدر عن هذا الشيخ هو محط اهتمام واستلهام وتدبر وتقليد من المريد. فكانت القصص والحكايات والسير القصيرة واحدة من وسائل (التعليم الصوفي. ليستضيء بها المريد في أثناء سلوكه. الطريق ليتدبر عثراته ومخاطره، بله حلاوته ويقينه.
إن تفاعل وانسجام الوظيفتين الفكرية والتواصلية، عند السارد في القصة الصوفية، يشكل نظرة إجمالية للقص الصوفي بشكل عام يؤطر التفكير الصوفي اعتمدها البحث في مجرى فصوله ومباحثه السالفات، فإن (السارد) في القصص الصوفي الذاتي) يأخذ مهمة مركزية؛ فيكون السارد هو الموجه للأحداث والمتابع واللولب الذي تتمحور حوله الأحداث ومن أجله- في حالة كون السارد سارداً ذاتياً أو سارداً عن سواه في أعلام التصوف ومشايخ الطريقة، نجد هذه الوظيفة المركزية مهيمنة على أغلب القصص في حكايات الرسالة القشيرية التي ضمنت الكم الأكبر في أقاصيص التصوف.
أما في القصص الموضوعي، فإن شخصية (السارد) تتحد مع (الراوي) في عملية السرد، فيكون السارد هو القائد بوظيفة (الإدارة) وتنظيم كيفية سرد الأحداث، فهو الراوي العليم الوحيد، وتتجلى فيها أيضاً الوظيفة التواصلية بفعل وجود (مسرود له) داخل الحكاية كما في قصص الطير، وأخوان الصفا، و(مروي له) خارج الحكاية (القارئ أو المتلقي)، يختلف الأول عن الثاني، في أن (المسرود له) في الحكاية هو شخصية فيها يشهد بعض أحداثها ولا يعي مغزاها الرمزي والتأويلي فيقوم الراوي/ السارد بفك شفرات القصة، وهذا ذاته ينتقل تلقائياً إلى (المروي له). وهذه التفاتة ذكية من لدن (السارد) الصوفي، في التوجه غير المباشر للمروي له احتياطاً لمنازع النفس الإنسانية في نبوها عن الأمر المباشر والنهي المقرع، والإفهام أو إشهار جهلها بأمر من الأمور. فتتسرب إليه الحكمة أو النصيحة أو المعلومة بطريق غير مباشرة بينما، هيمنت الوظيفة الفكرية على قصص الرؤى والكرامات بشكل واضح؛ لتوجه اهتمام السارد صوب الموضوعة الدقيقة التي يمتاز بها (المرئي) أو (صاحب الكرامة) وليس ثمة تعارض بين الفكر والطابع التخيلي في قصص الرؤى والكرامات لأن فلسفة الرؤيا والكرامة عند المتصوفة تتركز في أن المتصوف في هاتين الحالتين المخصوصتين تتكشف فيهما درجة وصوله، ومستوى صفائه، ومرتبة من المحبوب؛ فالرؤيا والكرامة لحظتان يتحد فيها الغيب بالعيان.
وتبرز الوظيفة التواصلية في قصص الرؤى والمنامات التي تعتمد إيقاع (المشهد) بحضور (المسرود له) وحوار متبادل يكشف عن دلالات الرؤيا أو الكرامة أو أسبابها ومكانة صاحبها.
[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ghilous.hooxs.com
 
صيغة السّرد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية  :: لغويات :: أدب عربي :: أدب عربي-
انتقل الى: