خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

المعرفة للجميع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تابع الرواية : أنماط الوظائف في القصص الموضوعي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غيلوس
Admin


عدد المساهمات : 60
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 17/04/2009

مُساهمةموضوع: تابع الرواية : أنماط الوظائف في القصص الموضوعي   الإثنين مايو 09, 2011 8:04 pm


توفر هذا النمط من القصص الصوفي على جملة وظائف يشترك في بعضها مع القصص الذاتي –وتوجد بعض الإضافات في الوظائف بحكم اختلاف النوع والهدف من القصة، نلحظ في هذا اللون من القصص جملة ملامح:
1-أن القصص الموضوعي متفاوت في طول القصص وإن كان الأغلب فيها (الطول)، الأمر الذي يسمح ويسهل الطريق أمام دخول وظائف سردية أخرى.
2-ترتفع دلالة هذه القصص إلى البعد الأخلاقي التجريدي العام الذي يرقى إلى الإنسانية بكل أجناسها وصفاتها وألوانها، فثمة مرويات عن الهند والصين وبلاد إيران وغيرها، أما قصص الحيوان والطير أمر به حاجة لدراسة مستقلة وافية، ترتقي إلى البعد الفلسفي والرمزي لهذه القصص.
3-اجتماع الرمز وتأويله في حدود الرقعة اللسانية التي ينقلها لنا راوي القصة. فلا نغادر قصة عند آخر حدث فيها –إلا وقد انبرى الراوي ليفسر ويوضح ويفك الرموز التي توفرت عليها القصة.
فالقصة هنا تشمل على أصل وزيادة، الأصل هو الحدث أو الأحداث المروية بدءاً في الاستهلال للوضع الأولي حتى خاتمة القصة وحل حبكتها، ثم يأتي بعد ذلك، حديث الراوي المفسر –مما قد تناوله الفصل الأول في موضوعة الراوي والمروي له -.
الأنماط الوظائفية:
1-وظيفة النأي: ظهرت هذه الوظيفة بشكل طاغ في القصص الموضوعي وهكذا يعكس توافق هذا النوع من القصص أو شبهه بنماذج القصص الخرافية التي استخدمها بروب في تحليله الوظائفي، وهي أولى الوظائف وفاتحة حركية الأحداث في الحكاية
* أشكالها:
1-أ-ركوب البحر لغاية مختلفة من حكاية إلى حكاية فمما رواه (إخوان الصفا) في إحدى رسائلهم ( )، قصة مدينة فاضلة تبدأ بذكر نعيم حالهم: (مخصبة، كثيرة النعم، رخية البال، طيبة الهواء، عذبة الحياة، حسنة التربة..)، ثم بعد ذلك يتم تشخيص شخصية الحدث الرئيس وملخصه (... ثم أن طائفة من أهل تلك المدينة الفاضلة، ركبوا البحر فكسر بهم المركب، ورمى بهم الموج إلى جزيرة أخرى فيها جبل وعر.....) ( ).
1-ب-أو أن يدخل البحر عنصراً أساسياً في الرحلة، كما في قصة الرجل والسمكة، (كان رجل اجتاز في طريق كان يسلكه في نهر جرار ينحدر من جبل وعليه جسر يعبر عليه الناس......) ( ) من خلال رحلته هذه يبصر سمكة ويحاول الإمساك بها.
1-ج-رجلان اصطحبا في بعض الأسفار ومن ذلك قصة المجوسي واليهودي، (وكان المجوسي راكباً على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه مسافر هو يسير مرفهاً واليهودي كان ماشياً ليس معه زاد ولا نفقة... ( ).
1-د-شكل آخر لتمظهرات (النأي) في القصص الموضوعي هو عبارة عن ظهور الحدث القصصي من سكون (الوضع الأولي) إلى حركة وتغير (وظيفة النأي) عن طريق وصول جماعة من الناس كانوا مسافرين، هؤلاء يكون لهم الباع الكبير في تطور الأحداث وحبكتها والبحث عن الحل. مثال ذلك: (قصة بيراست الحكيم) وهو ملك بني الجان في دار مملكة عريضة تدعى مردان في جزيرة يقال لها صاغون في وسط البحر الأصفر مما يلي خط الاستواء، وهي (طيبة الهواء والتربة فيها أنهار عذبة وعيون جارية، وهي كثيرة الريف والمرافق وفنون الأشجار.......) ( ) بعد هذا النعت الأولي لحال الجزيرة وأهلها تبدأ الوظيفة الأولى والمهمة وهي ليست مغادرة أحد أبناء الجزيرة وإنما مجيء مسافرين إليها فيقول راوي القصة: (ثم أنه طرحت الرياح العاصفة في وقت من الزمان مركباً من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان فيها قوم من التجار والصناع وأهل العلم وسائر أغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة وطافوا فيها فوجدوها كثيرة الأشجار والفواكه والثمار...)
1-ه‍-السفر للبحث عن ملك في قصص الطير، كرحلة الطيور في طلب (السميرغ ) ملك الطيور الذي يسكن جبل قاف، فتبدأ رحلة الطيور في البحث عن ملكها بقيادة الهدهد ( )، وفي خلال هذه الرحلة تنكشف مزايا كثيرة ظاهرها حياة الطير وأخلاقها، وباطنها إشارات صوفية.
* ودلالاتها:
الحقيقة أن البحث في موضوع الدلالة ليس بالأمر اليسير النهوض بلوازمه والإحاطة بانفتاحاته، بسبب احتياج الباحث فيها إلى موسوعة معرفية يدرك انطلاقاً منها مرجعية النص أو التعبير أو استخدام المفردة، الذي أصنعه هنا، هو (مقاربة) دلالية أضيء فيها جانباً منهجياً مهماً، ذلك هو أن (الوظيفة) السردية ليست إنشاءٍ اعتباطياً إنما هي بنية فكرية قامت على عنصر مزاوجة ضمنية بين الوعي واللاوعي الخاص أو الجمعي، بمعنى أن الدلالة هي استحضار ثقافة عصر النص المحلل؛ لأن النص خرج من سياقات هذه الثقافة وبتأثير منها، وتعبيراً عن الموقف منها.
تشير دلالة (النأي) والسفر والمغادرة في بعدها اللاواعي العميق إلى حقيقة كون الأشياء في الكون بدأت ساكنة ثم تحركت وبفعل هذه الحركة تولدت الرغبة في الكشف ومزاولة الحياة بشتى نشاطاتها. فمنذ قصة الخليقة الأولى مع (آدم وحواء) حتى آخر إنسان على وجه الأرض، بدأت بواكير المعرفة الإنسانية لديه فعل بفعل انتقاله من حالة (السكون) إلى (الحركة)، وظل يعيش في دواخله العميقة حنين إلى ذلك الماضي الهادئ الثابت ( )، فحياة آدم (عليه السلام) الحقيقية مع حواء لم تبدأ بنزولهما من الجنة إلى الأرض، التي هي مسرح الصراع والرغبات والحاجات والآثام، كل هذه الأشياء هي نتاج حركة وانتقال.
على ذلك هل نقول إن وظيفة النأي التي تمثلت في القصص الصوفي هي تعبير عن فكرة مارسها اللاوعي الجمعي ( ) تعبيراً عن حاجة إنسانية استشعرها الإنسان الأول والآخر؟...
هذا أمر، الأمر الآخر الذي أرى أنه أفضى إلى هذه الأنظمة الوظيفية في القص، هو طغيان الطابع (الحكائي) على (القصصي)، جعل اهتمام الراوي قليل العناية بالأمور التمهيدية والحذلقة اللفظية.. التي من شأنها جعل المسافة الفاصلة بين الراوي وتلّهف المروي له لمعرفة ثيمة الحكاية وحبكتها الأساس، تطول فيؤدي ذلك إلى فتور وملال وضعف انصراف السامع لما يسمع. فحين دونت هذه الحكايات على شكل قصص مكتوبة إنما دونت كما حكيت لهذا حدث (اختزال) واضح في مقطع (الاستهلال) أو فقرة (الوضع الأولي) –الذي كان سمة مميزة في مبحث الاستهلال في الفصل السابق –وهذا غير ما نجده في الفن الروائي والقصصي الحديث حين يستعرض الكاتب براعته الأسلوبية، وذكاءه المميز في تخير الزاوية التي تضيء أبعادها في مسرح الأحداث أو بؤرة الزمن أو أنماط شخصياته ( ).
ولعل موضوعية هذا القصص ومفارقة الراوي لمروية، جعل التركيز ينصب على طابعها الرمزي الذي يتسارع نبض أحداثه لهدف وصول المعنى المرمز إليه، إلى طبقة المروي لهم. فالحكي إنما يبدأ عندما ينشأ فعل متغير تقوم على أساسه استجابات مختلفة تصل بالحدث حد الأزمة ثم تبدأ رحلة البحث عن الحل نزولاً تفاقمت الأزمة صعوداً، فهي دورة (تبدأ كما تنتهي لتعود حالة السكون والرضا وتطمين الحاجات والسعادة لدائمة.
2-وظيفة الاختبار:
تنبني هذه الوظيفة على أساس الوظيفة السابقة، بمعنى أن (النأي) يوفر مناخاً لتشكل وظيفة الاختبار التي تضم كل تطورات الحدث الحكائي حتى يصل إلى الأزمة أو الحبكة. تبدو أشكالها في القصص الموضوعي مختلفة في مظاهرها وكيفياتها، لكنها متشابهة في دلالتها، والأشكال هي:
2-أ-في قصة المدينة الفاضلة، ينمو الاختبار حين وضع بعض أهل تلك المدينة في اختبار عسير بعد انكسار مركبهم ونزوله في جزيرة وعرة كدرة المياه نزرة الثمار ( )...... الخ واكتشفوا أن أهل تلك الجزيرة قردة بعد لأي تعايش هؤلاء مع الوضع الجديد فأكلوا من هذه الأرض وشربوا ماءها وتعايشوا مع سكانها من القردة حتى طاب لهم القيام فيها.
2-ب-في قصة الرجل والسمكة، حدث الاختبار في اشتهاء الرجل تلك السمكة الكبيرة ورغبته العارمة في اصطيادها. وكان الحائل دون ذلك هو الماء الجرار، وبرغم ذلك قفز إلى الماء وأمسك بالسمكة وجريان الماء يشتد وهو منشغل بالسمكة.
3-ج-كان الاختبار الذي وقع فيه المجوسي واليهودي هو أن لكل منهماً مذهباً مختلفاً يفترض بصاحبه أن يمسك به ويتمثل في قوله وفعله فالمجوسي يؤمن بحب الخير لـه وللناس ولا يظلم خصمه وإذا ما ظلم فهو يكل خصمه لإله عادل فاضل حكيم عليم لا يخفى عليه أمر أما اليهودي فكان مذهبه حب الخير لنفسه وإهدار دم كل مخالف له، ولا يؤمن بالرحمة أو الشفقة أو المعونة. من هنا كان على الاثنين إثبات صدق اعتقادهما في حالتين:
الأولى: احتياج اليهودي للمجوسي؛ فكان المجوسي في امتحان لاعتقاده.
والثانية: حين احتاج المجوسي اليهودي؛ فكان على اليهودي أن يطبق ما يؤمن به.
2-د-بدأ اختبار قصة (بيراست الحكيم) حين استوطن سكان السفينة الغرفة في جزيرة صاغون وبدءوا يتعرضون للبهائم والأنعام بالصيد والأحمال والمطاردة، فذهب الحيوان إلى ملك الجن بيراست تشكو إليه أمرها.
3-ه‍-في قصص الطير كان الاختبار المهم هو كيفية الوصول إلى ملك الطيور الكامل فهذه الرحلة تشبه (الوصول إلى القمر على ظهر سمكة) ( )، لكن برغم ذلك كان ثمة علامات تدل على وجوده وإمكان الوصول إليه كالريشة مثلاً.
3-وظيفة الحل:
تمثل وظيفة الاختبار –في أقصى تطور سردي لها –أعلى درجات الحبكة القصصية حين يتنامى الحدث ويتفاقم حتى تصبح الحاجة إلى الحل ضرورة لازمة والحل في القصص الصوفي، حقيقة يزجى لتحقيق غايتين.
الأولى: الانتهاء إلى تمام الفكرة التي لا بد أن تسير إلى خاتمة تسير إلى نهاية منطقية أو لا منطقية لأهداف معينة يقصدها الراوي.
الثانية: وهي الأمم، أن نهاية القصة الصوفية مقترنة في الأعم الأغلب بفك رموز الحكاية، وانتقال صوت الراوي العليم من ممارسة دور رواية أحداث الحكاية وهو مفارق لها، إلى ممارسة دور مفكك رموز النص الحكائي فيتوجه بلغة خطابية مباشرة ليعلم الهدف من الحكاية.
ولتفصيل ذلك، نعود إلى القصص التي اختيرت نموذجاً تطبيقياً لهذا المبحث ولنتمثل حضور تلك الغايتين في القصص الموضوعي: ففي قصص المدينة الفاضلة، تبدو بوادر الحل مع السأم من الحياة مع الحيوانات والرغبة في المغادرة، بدأت الشرارة مع (رؤيا) يراها أحد البحارة في منامه كأنه عاد إلى أهله وبلده، فقص رؤياه لأصحابه ورغبهم في العودة إلى بلدهم وبدءوا بصناعة سفينة وكان العائق أمام السفر مجيء طائر يخطف أحد البحارة ويلقيه على سطح داره في بلده وبقي البحارة في مكانهم يبكون في صاحبهم ويظنون أنه لقي سوءاً... بعد هذه النهاية للقصة يبرز صوت الراوي /المفكك لشفرات النص فيقول: (هكذا ينبغي أن يكون اعتقاد إخوان الصفاء فيمن قد سبقته المنية قبل صاحبه، لأن الدنيا تشبه الجزيرة وأهلها يشبهون القردة، ومثل الموت كمثل ذلك الطائر.....) ( ).
وفي قصة (الرجل والسمكة) بدا الحل مأساوياً حين اشتغل الرجل عن السباحة بالإمساك بالسمكة لئلا تفلت منه، حتى حدره الماء فغاص تحت الأرض فأتاه عامر النهر وطلب إليه أن يترك السمكة وينجو فرفض الرجل، فوضع يده على رأسه فغرقه. عند ذلك انتهت القصة ويأتي صوت الراوي (فإذا تفكرت يا أخي في مثل هذه الإشارات والأمثال...) ( ).
وفي قصة (المجوسي واليهودي) يكون الحل مع ثبات المجوسي على اعتقاده حين رحم اليهودي وأركبه على الدابة وأوصله إلى أهله. وفي هذا الأمر انتصار لدين المجوسية، كما يتضح على الرغم من أن القصة تمس جانباً أخلاقياً إنسانياً عاماً لا تختلف عليه الأديان جميعها سماوية كانت أم أرضية والأخلاق إما مطبوعة أو مكتسبة، وتلك مسألة نسبية لا يصح إطلاقها على جنس من الناس أو متديني دين معين.
وفي قصة (بيراست الحكيم) يستمع الحكيم لأقوال الشاكين وكذلك يسمع لردود الإنسي الذي استعبد الحيوانات. وكان القول على شكل خطبة يخطبها الإنسي وكذلك ناب عن الحيوانات (البغل) ثم تلاه الحمار والثور.. وبدأت بوادر الحل بالمشاورة بين الحكيم ووزيره، فطرحت عدة مقترحات كان أخرها الموافقة على المصالحة بين الإنسان والحيوان لكي لا تتعرض الجن لمخاطر من قِبل الإنسان إن هي أَعانت الحيوانات عليه.
وفي هذا الحل تفضيل لمنطق الحكمة والتعقل والرأي السديد. أما قصة (منطق الطير) ورحلة بحثها عن (السيمرغ)، فمما يظهر من خلال الحكايات أن الراوي اعتمد طريقة المواقف فكل شخصية تحدد موقفها في السيمرغ وضرورة البحث عنه، وبين الراوي انشغال الطيور في هذه المهمة العظيمة وهي البحث عن السيمرغ، ومن خلال الأوصاف التي تنبث في الحكايات وأعذار الطيور ويظهر أن المقصود بـ (السيمرغ) هو الله تعالى، وضرورة البحث عنه والوصول إليه غاية كل الكائنات، فمعرفته أساس عبادته. فيصفه بأنه لا شبيه له، وهو وحده الجدير بالملك، أفعاله نافذة في العالمين ( )...... وتتوالى أعذار الطيور عن عدم إمكانيتها للذهاب إليه، فيخبرهم الهدهد أن السيمرغ لا يضمه مكان إنما مكانه في القلب وعليهم جميعاً النظر في قلوبهم ليروا السيمرغ ( ).
وفي نهاية كل موقف من المواقف التي يسميها المؤلف (حكاية) ينعطف الراوي (ليخاطب) المروي له بلهجة خطابية مباشرة توضح المقاصد. فالرمز هنا لا يترك لتأويل السامع أو القارئ وأجد السبب في ذلك عائداً إلى دقة الفكرة الدينية وحساسية تناولها والتكلم بها أو عنها. هذا فضلاً عن توجيه المروي له إلى المغزى الصوفي من الحكايات الرمزية التي تحتمل أكثر من قراءة تأويلية.
أنماط الوظائف في القصص الصوفي الاسترجاعي
نظراً للخصوصية التي يمتاز بها هذا النمط من القصص الصوفي، الذي يتناول قصص الرؤى والمنامات التي حفظتها المؤلفات والمصنفات التي حكت عن الصوفية وعن مظاهر حياتهم وسلوكهم وقصصهم –لذا كان لزاماً أن ندقق في نمطها ثم استخلاص مثالها الوظائفي. فالذي ظهر من خلال ما وسع الجهد الاطلاع عليه من قصص الرؤى والمنامات، أن قصص الرؤيا نوعان مركزهما الأساس هو الصوفي:
1- نوع يكون فيه الصوفي ذاته هو الرائي والراوي، في خلال مدة حياته.
2- نوع يكون فيه الصوفي موضوع رؤيا لشخص آخر يروي الرؤيا، والصوفي فيها متوفى.
والحقيقة ثمة بنية وظائفية مميزة للنوعين تكشف جانباً دلالياً نفسياً إشارياً مهماً.
يدخل النوع الأول ضمن مفهوم، (الكرامة) عند المتصوفة فهو يرى ما لا يرى غيره ( ). أما النوع الثاني وهو الأكثر يروى على لسان المعاصرين للمتصوف أو من تلا عصره لكن تثقفوا على مذهبه وطريقته.
يظهر في هذا النوع من الرؤى طغيان واضح لأسلوب الحوار؛ القول والسؤال يأتي بعده الرد والجواب، حتى أن بعض هذه القصص ليس سوى حواراً يشتمل على قال وقلت والمهم في هذا النمط القصصي، إنه يتجلى فيه الأنماط الوظائفية الثلاثة المهمة، وبشكل يتناسب مع خصوصية هذا اللون من القصص الذي يكون _(مسرح) أحداثه في عالم الغيب، أو هو النافذة التي تشرع لبعض الناس للنظر –قليلاً –في عالم محرم على سائر الناس، عليه فإن على هذه القصص مقداراً من التحفظ لكون مصداقيتها مقترنة بواضعها (رائيها) ولا شهود على رؤيته هذه.
من هذه الزاوية، أجد ضرورة بحث هذه الظاهرة في القصص الصوفي لا من ناحية صدق وقوعها أم عدمه الأمر الذي شغل بال ابن الجوزي كثيراً في كتابه (تلبيس إبليس)، بل يوجه النظر إلى البعد النفسي ( ) الذي مثلت مضامين هذه القصص والرؤى، صورته الإسقاطية التي يحملها الصوفي مخاوفه، واحتمالاته، وآماله، وخشيته، وقلقه على صحة مذهبه ولا سيما أن المذهب الصوفي واجه معارضة حادة ومستمرة من لدن أهل الظاهر من العلماء وكذلك ساسة القوم فضلاً عن العامة.
تجلى المثال الوظائفي في الرؤى والمنامات الصوفية في الملامح الآتية:
1-أصاب مقطع (الوضع الأولي) الذي يبين الهيئة العامة للشخصية أو المكان أو الزمان أو الحالة الاجتماعية لشخوص الحدث، تراجع كبير في القصص الصوفي الاسترجاعي؛ فكان يكتفي بعبارة (روى فلان....) أو (رأيت في ما يرى النائم أن....) ويذكر بعدها اسماً معيناً ومعهوداً عند جمهور المسلمين وخاصتهم بدءاً من الرسول الكريم () والأنبياء والأولياء حتى آخر المتصوفة الذين يعاصرون زمن الرائي /الراوي
هذا التراجع في ذكر الوضع الأولي، يدل على حقيقة مهمة تتصل بخصوصية قصص الرؤيا، وذلك هو أن مسرح الأحداث مجهول ومفردات القصة مغيبة، مرهونة بالرؤيا ذاتها؛ فالرؤيا هي التي ترسم جميع مفردات الحدث والشخصية والمكان والزمان، فقط يحدث في بعض من القصص أن يبين من جملة الاستهلال الأولى أن شخصيات ما رؤى في المنام موضحاً أن الرؤيا حدثت وهو حي يرزق أم بعد مماته عدا ذلك فإن القص يباشر الرؤيا لفعل مفروض كما أن حدوث هذا الرؤيا أمراً مفروضاً وغير إرادي.
2-وظيفة النأي: لها حضور خاص في هذه القصص؛ وذلك لأن عملية (الرؤيا) هي (رحلة) في حد ذاتها، انتقال الجانب الروحاني في الإنسان إلى عالم الغيب والسماوات والجنة والنار... لولا هذه الرحلة الروحية لما نتجت أية رؤيا لذا كان هذا الأمر له أهمية كبيرة على جميع قصص الرؤى والمنامات.
3-وظيفة الاختبار: وهي تمثل موقعاً مهماً في سير قصص الرؤيا، لأنها منها تتجلى ثيمة الحكاية والجانب المقلق في سيرة ذلك التصوف الرائي لنفسه، أو المرئي له من قبل آخر، وأكثر ما يتجلى هذا الجانب القلق هو السؤال عن المصير والمآل إلى جنة أم نار، والحقيقة هذا يعكس إحساساً نفسياً يعتمل في ذهن المتصوف عن صحة مذهبه وجدوى طريقته. من أمثلة ذلك:
أ-(رؤى الشبلي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: لم يطالبني بالبراهين...) ( )، ومثل ذلك ليوسف بن الحسين، وعبد الله الزراد ( ).
ب-(وقيل رؤي عطاء السلمي في النوم فقيل له: لقد كنت طويل الحزن فما فعل الله تعالى بك؟.....) ( ).
ج-(قال أحمد بن أبي الحواري: رأيت في النوم جارية ما رأيت أحسن منها يتلألأ وجهها نوراً فقلت ما أنور وجهك؟..) ( ).
د-في أحيان قليلة جداً يقدم بإيضاح أولي يفيد في تأويل الرؤيا كهذه الرؤيا: (قال بعضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها في النوم تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور.....) ( ).
يغلب على الأعم في هذه القصص، ملمح (القصر) فهي موجزة، قصيرة أساسها الحوار والجواب، ولم أجد فيما وسعني الاطلاع عليه من المظان رؤيا مقصوصة طويلة سردت بوعي فني وخطابي واضح كما في رؤيا (الوهراني ت 575) والتي تشبه مضامينها إلى حد ما (رسالة الغفران) للمعري. وهي تستوعب عشرين صفحة من الحجم الكبير إذا ما حذفت مساحة هوامش التحقيق( ).
وتستهل بعبارة (غلبته عينه فرأى فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، وكان المنادي ينادي هلموا إلى العرض على الله تعالى، فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر...) ثم تتوالى المشاهد فيمر بجميع أصحابه وإخوانه ومعارفه يشهد مصيرهم في الآخرة.
4-وظيفة الحل: الذي لاحظته في هذه القصص إنها تنتهي بحل للاختبار الترشيحي والرئيسي بشكل يؤكد المنحى النفسي الذي أشرت إليه في الصفحة السابقة، بدليل أن خاتمة هذه الرؤى القصصية تجمعها صفة عامة تؤطر فلسفة وجودها، هي: (صفة الاطمئنان) فكل الإجابات التي يحصل عليها السائل في المنام تؤكد أمرين:
أ-صحة المذهب والطريقة الصوفية التي اتبعها صاحب الرؤيا أو المرئي.
ب-إن صاحب الرؤيا أو المرئي اكتشف خطأ ما كان عليه من أمر التصوف وبطلان ما كان يدعو إليه لكن الله تعالى عفا عنه وغفر له وأثابه.
فالشبلي أجيب بأنه لا يطالب بالبراهين، وعطاء السلمي يجيب من رآه في المنام بأن الله تعالى أعقبه راحة طويلة وفرحاً دائماً، ولأحمد بن أبي الحواري تشرح له الجارية الجميلة الوجه أن نور وجهها هذا بسبب دمعة من أحمد هذا مسحت بها وجهها فصار على ما هو عليه ...الخ، واللافت للنظر أن القيمة الفنية في الحكي متراجعة إلا في منام الوهراني الذي يظهر الحل في شكل صياغة لغوية متقنة تربط لحظة نهاية الرؤيا بالاتصال بالواقع في أسلوب قصصي جميل ومكثف وعالي الإتقان:
تصل الرؤيا إلى مشهد أخير بدخول (علي عليه السلام) إلى أرض المحشر وكانوا في أطيب عيش وأهنئه، وإذا بضجة عظيمة وزعقات متتابعة وأصحابنا يهربون، فقلنا: ما لكم؟ فقيل: علي عليه السلام قد أخذ الطرقات على الشاميين وجاءنا سرعان الخيل فيها محمد بن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الليث الهصور، فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة، أخرجتني من جميع ما كنت فيه، فوقعت من على سريري، فانتبهت من نومي خائفاً مذعوراً.....) ( ).
بحسب منهج بروب الوظائفي في تحديد الوحدات الصغرى للسرد، يتقدم بعد دراسة الوظائف، إلى تقديم عمل مورفولوجي تكميلي يتمثل في مقولة (المقاطع) أو المتتاليات فكل حكاية أو خرافة تتألف من عدة مقاطع تبدأ بنأي وحصول اعتداء ثم نهاية وحل، ثم بدء صراع جديد وحاجة إلى حل، هذا الصراع الثاني هو بمثابة (المقطع)، وصنع له (بروب) سلسلة من الخطاطات الموضحة لنحو وترتيب هذه المقاطع في الخرافة، وهذا العمل بمثابة بنية مجردة لمجموع الحكايات وبمعنى أن هذه الحكايات تخضع لقانون تركيبي وظائفي واحد في بنائها، وهو اكتشاف مهم ( ) ثم ينتقل بروب إلى ميدان تأويلي بعيد عن الدراسة المورفولوجية حيث يتساءل عن الأسباب التي جعلت الحكايات الخرافية تخضع لسلسلة وظيفية واحدة في تركيبها. فرأى أن الأسباب ينبغي تلمسها خارج الحكايات نفسها أي في الواقع الثقافي الذي نشأت فيه وخاصة في المعتقدات الدينية هذه القضية لها أهمية خاصة في تأكيدنا عدم كفاية البحث الشكلاني لقيام نقد حقيقي للأعمال القصصية ( ). ثم يأتي بعده رولان بارت ليعمل على اعتماد الطابع الشمولي للبحث في الوظائف ويعدها وحدات تكّون كل أشكال الحكي ويلح على الجانب العلائقي والعضوي في الوظائف فكل وظيفة لها علاقة مع مجموع العمل، فإذا لم يكن للوظيفة دور داخل الحكي فمعنى ذلك أن هناك خللاً في التأليف، فالفن عند (بارت) لا يعرف الضوضاء ( ) إذ ثمة نظام منطقي متسلسل تخضع له الوظائف السردية.
في بحثنا هذا لم نفرد مبحثاً خاصاً للمقاطع، لجملة أسباب؛ منها أن الحديث عن المقاطع قد ورد ضمناً أثناء الكلام على الاختبار الرئيسي في السرد إذ الغالب في القصص الصوفي –وليس جميعه –من نمط القصص القصير أو البسيط التركيب، لا يتجاوز حدود المعقول من الأحداث ولا يطلق العنان المتكلف في حبك أحداث خرافية كما حدث مع نماذج بروب الخرافية، فضلاً عن إنني حاولت جهد الإمكان تجنيب البحث الوقوع في تجريد الأشكال والتخطيطات التي تصب في محور الدرس الشكلاني البحت في حين ينصب اهتمامي في موضوعة البدء بالشكل والانتهاء بالدلالة وهذا ما يتناسب مع غائية المنجز الصوفي الذي أنا بصدد تحليل بناه التركيبية.




[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ghilous.hooxs.com
 
تابع الرواية : أنماط الوظائف في القصص الموضوعي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية  :: لغويات :: أدب عربي :: أدب عربي-
انتقل الى: