خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

المعرفة للجميع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الأبعاد النفسية للأساليب الشعرية تتمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غيلوس
Admin


عدد المساهمات : 60
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 17/04/2009

مُساهمةموضوع: الأبعاد النفسية للأساليب الشعرية تتمة    الإثنين مايو 09, 2011 11:58 am


إن النفوس البشرية ثلاثة أصناف: نفس ضعيفة ونفس خشنة ونفس معتدلة، أي وسط بينهما، ولهذا فإن " الأساليب الشعرية تتنوع بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حُزونة الخشونة، أو تصويبها إلى سهولة الرقة، أو سلوكها مذهبا وسطا "(1).
1- المراتب النفسية لأساليب الخطاب الشعري وأنحاؤها:
يوجد صنفان من القراء للخطاب الشعري " القارئ المفترض والقارئ الحقيقي "(2) وما يتصل بالخطاب الشعري مباشرة هو القارئ الحقيقي؛ لأنه من وضع الدارسين في حقل الشعريات.
وبناء على القارئ الحقيقي يكون الكلام في الخطاب الشعري مقسما بحسب أقسام النفوس فمنه "ما يكون موافقا لأغراض النفوس الضعيفة الكثيرة الإشفاق مما ينوبها أو ينوب غيرها، ومنه ما يكون موافقا لأغراض النفوس الخشنة القليلة المبالاة بالأحداث، ومنه ما يكون موافقا للنفوس المقبلة على ما يبسط أنسها المعرضة عما (...) به كلا الفريقين "(3) .
وهذا التقسيم له بعد نفسي محض لتصنيف الأساليب المنتجهة في بناء خطاب شعري معين، وبحكم أن النفوس الساذجة بسيطة، أو مركبة، فإن منها ما يجمع ميزة واحدة من المميزات الثلاثة الآنفة الذكر (الضعف، والخشونة، والاعتدال )، ومنها ما لا تقبل فطريا إلا الميل إلى صفة أو طبيعة من الطبائع الثلاث وهذا ينعكس على أساليب الخطاب الشعري فتزداد، وتتعدد باعتبار البساطة والتركيب لتصل إلى عشرة أنحاء(*)، أي هناك "عشرة أنحاء يختلف الناس فيما تميل بهم أهواؤهم إليه من ذلك بحسب اختلاف طبائعها "(4) .
فإذا سلك الشاعر أسلوبا بسيطا، ويرد أسلوبه على نمط واحد، وميل واحد (خشونة أو رقة أو اعتدال)، فإن الأمر يكون بسيطا بالنسبة للشاعر من هذا الجانب، أما إذا كان مركبا، جامعا لاثنين أو ثلاثة من أنماط النفوس ومراتبها، فإن الحيلة في الانتقال بينها تحتاج إلى حسن تأليف، وقدرة تصور المعاني، وجودة نظم ما يعبر عنه، ولهذا اعتبر (أكتافيو باز) أحد أكبر كتاب المكسيك "الشعر - في جوهره - صوتا ليليًّا، يتحدث بلغة أخرى غير لغة الأندية والجامعات، والشعراء سواء أكان حديثا أم قديما يحتفظ دائما بصوت متوحش في أعماقه "(5).
وهذا التوحش أوهذه الغرابة التي يرتديها الشعر ظلاّ خاصية وميزة يحتفظ بها لذاته الجامعة لكل المتناقضات في ثناياها، ووقوع الجمع بين طرفين بأن يسلط الطرفان أعني الخشونة والرقة على شيء واحد، وكان انبعاثهما من ضمير واحد، فإن هذا يقبح مثل إرداف الرقة في الحب بالخشونة فيه، فإن انصرف أحدهما إلى غير ما نصرف إليه الآخر، وتعلق بغير ما تعلق به ساغ ذلك "(1).
وهذه الثنائية الضدية الأخيرة هي المطلوبة في بنية الشعر مادة وجوهرا، ويكون هذا الجمع المقبول بلاغيا، المستساغ من طرف المتلقي على ثلاثة أنحاء حصرها حازم فيما يلي:
-المنحى الأول: يقابل الوحدات المشكلة للخطاب الشعري، أو يقابل طرفي الوحدة الخطابية الشعرية، فيجعل الشاعر " معنى بيت أو شطر عزلي بمعنى بيت أو شطر بيت حماسي "(2)، فينتج لنا مقابلة أسلوبية دلالية، لا بلاغية بديعية، وهما غاية في الحسن إن أحسن الشاعر تركيبهما، والنسج بين مفاصلهما.
-المنحى الثاني: استعمال فن الالتفات الذي له بعد بلاغي بديعي جميل، لإبعاد الضعف عن ذات المرسل في نفس المتلقي حيث موضع الرقة وذكر الصبابة.
وبما أن " الذي يقيم النص هو القارئ المستوعب له "(3)، فلا بد على المبدع أن يضع عملية الاستقبال في الحسبان، كما يضع عملية البث السليمة، وإن كان (ميشال ريفاتير) يرفض أن توجد الأدبية (الشعرية) خارج النص " فلا أدبية في رأيه خارج نطاق النص، ولا وجود لنص أدبي مجرد من الأدبية "(4).
وبتعبيرنا الخالص فلا مجال لخطاب شعري خارج الشعرية كما لا وجود للشعرية خارج الخطاب، لأن ما يبقى هي بنيته المدونة، فلم يصلنا حال (هوميروس) وهو ينجز (إلياذته)، ولا ما يكتنف الإلياذة لحظة إنجازها، كما لم يصلنا شيء من هذا عن أصحاب المعلقات، وكيفيات إلقائهم لها، وإن اهتم العرب في الكثير منها بسرد الغرض أو المقصد الذي قيلت من أجله، وما صلنا ويمكن معاينته هي هذه النصوص المدونة على صفحات تاريخ الشعر.
وبتفاعل زاوية التلقي مع رؤية الخطاب ينشأ أفق التوقع في ذهن القارئ فيلتفت من حين إلى آخر مستعملا هذا المحسن البديعي، " وذلك أن يكون مثلا يتغزل ويصف بالإفراط في الرقة والصبابة، فيتوقع أن يظن ظان أن ذلك ضعف نفس منه، فيلتفت إلى ما يدرأ عنه ذلك الظن، ويشير إلى ما يدل على ذلك بلفظ مختصر يلحقه في تضاعيف كلامه، أو عقبه، ذلك مثل قول الشريف:
مالو على شعب الرحال وأسندو *** أيدي الطعان إلى قلوب تخفق "(1)
فالقلوب الخفاقة لصبابة وحب في سويدائها لا ضعف فيها ، وإنما تسند إليها أمور الحرب وتدابيرها، فألتفت إلى هذا باستعمال (أيدي الطعان).
-المنحى الثالث: ويدرج تحت أبنية القصائد المركبة الغرض، فعلى الرغم من الانتقال من بنية دلالية إلى أخرى، ومن أسلوب إلى آخر، ومن مقصد إلى آخر إلا أن الشاعر مطالب بالمحافظة على وتيرة الانسياب العفوي للتعابير التي ينقل لنا بواسطتها صورة مشاعره، وقد " أكد هذه الفكرة كل من جون كيتس (John Keats)، وستيورات ميل (J. S. Meal)، و وورد زورث (W. Wordsworth)، إذ اعتبروا الشعر انسيابا تلقائيا ينبعث بصورة طبيعية، كما تنبعث الأوراق من الشجرة "(2).
ومع هذا الانسياب التلقائي ينتقل الشاعر " عما له فيه رقة إلى ما له فيه خشنة، وينصرف عن أحد الغرضين إلى الآخر بالجملة، فيصير غرض كلامه "(3)، ولا يخرج الشعر بالجملة عن هذه الأنحاء المذكورة.
2- سلطة التلقي في الأساليب الشعرية:
إن الناس – عند حازم – أصناف ودرجات ونماذج متفاوتة الظفر من نعيم الدنيا، أو التعرض لمصائبها، وحلول همومها ورزاياها، ويحصر حازم هذه الأصناف في النماذج التالية :
-النموذج الأول: وهو صنف من الناس لا يعرف من الدنيا إلا نعيمها، لذا " عظمت لذاته، وقلت آلامه حتى كأنه لا يشعر بها "(4). وتجلى ذلك – بوجه خاص – في شعر أبي نواس الذي وصفه لنا مارون عبود بأَدقّ وصف حين بدا له " كأنه مركب من جسد فقط، بلا نفس أو نفس لا قيمة لها فيما بعد، فهي آلة في يد اللهو والطرب "(5)، أو هو بوصف أنيس الخوري المقدسي " من طلاّب اللذة السانحة "(6).
النموذج الثاني: وهو الصنف الذي لا يعرف من الدنيا إلا آلامها، ولا يلاقي فيها إلا هموما، ولهذا " عظمت آلامه، وقلت لذاته كونه لا يشعر بها "(1). وعلى من يريد الخوض في تجربة شعرية من هذا الصنف أن يكون " متقنا للتصوير محسنا لاستقصاء خصال الأشخاص الذين يصورهم والبحث عن أسرارها، والنفوذ من مشكلاتها المعقدة "(2)، إلى عالم خطاب يصور هذا النموذج البشري .
-النموذج الثالث: وهو الذي أخذ في الدنيا حظا وافرا من الخيرات يوازيه نصيب من الرزايا والمصائب، فكان أصحاب هذا الصنف قد " تكافأت لذاتهم وآلامهم "(3) .
وعلى هذا التقسيم نجد أحوالهم النفسية، وطبائعهم وأمزجتهم لحظة تلقي خطاب شعري معين فيختلف بحسب اختلاف نماذجهم، ومراتبهم في حظوظ الدنيا، فكانت " أحوال الصنف الأول مفرحة، وأحوال الصنف الآخر مفجعة، وأحوال الوسط في كثير من الأمر شاجية "(4) .
وباعتبار البساطة والتركيب لهذه الأحوال المفرحة والمفجعة والشاجية نجد أساليب الخطاب الشعري سبعة أقسام وهي خطابات " مفرحة (...)، وشاجية (...)، ومفجعة (...)، ومؤتلفة من سارة وشاجية، ومن سارة ومفجعة، ومن شاجية ومفجعة، ومؤتلفة من الثلاث "(5) .
ويجب على منجز الخطاب الشعري أن يضع في اعتباره لحظة إنجاز خطابه أنّ نفسية المتلقي هي المعتبر في توجيه أسلوب الخطاب، وأن نجاح عملية التلقي متوقفة على مدى فهم المرسل ما يناسب نفس وحال المتقبل أو المرسل إليه .
وهذا العامل هو الذي أوصل (مالينوفسكي) وهو يحاول ترجمة نصوص مسجلة للغة جزر (تروبرايند) إلى أن " اللغات الحية ينبغي ألا تعامل مثل البائدة، بعيدة عن سياق الحال (المقام )، ولكن ينظر إليها وهي تستعمل من قبل الناس في القنص، والزراعة أو البحث عن السمك..الخ "(6)، وهذه المقامات التي أشار إليها (مالينوفسكي) هي بواعث حاثّة ومحفّزة على قول الشعر، ومن ثم وجب أن نراعي الحال أو المقام فيه الذي فيلت فيه أي ( ظروف نظمه ) .
وعملا بالتحديد الذي حصر فيه حازم أحوال الناس (الشاجية والسارة والمفزعة) ألح على الشاعر أن يميل " بالقول إلى القسم الذي هو أشبه بحال من قصد بالقول وصنع له وإن لم يقصد به إنسان فليقتصر به على ذكر الأحوال السارة المستطابة والشاجية، فإن أحوال جمهور الناس والمتفرغين لسماع الكلام حائمة حول ما ينعم أو يشجو "(1).
أ- الأحوال السارة: وهي التي تبعث الفرح في نفس المتلقي وتخص مواضع معينة " نحو مجالس الأنس، ومواطن السرور، ومشاهد الأنس والأعياد، وما ناسب ذلك "(2)، فتتحول الكتابة – حسب بارث – إلى " جسد مُغْرٍ يجذب فيه كل عشاقه وعلى اختلاف ثقافتهم ومستوياتهم وما يرغبون [...] إن الحقيقة الجسدية ضرورية في النص "(3).
ويعقّب الغذّامي الذي تلقى لذة النص على بارث، وجسّدها في كتابه (الخطيئة والتكفير) بقوله:" إذن هناك شيء آخر غير المعني، شيء نجده، فالنص نراه أحيانا، ونلمسه أحيانا، ونشمه أحيانا أخرى، والشيء الذي يُرى ويُشم ويُلمس، لا بد أن يكون جسدا "(4)، وما يوجد فيه غير المعني هي تلك الانفعالات السارة التي تهيمن على الخطاب، وتجعل الشاعر يذهب إلى القول بألا " وجود لنساء ذميمات، وألا وجود اليوم لطبيعة ميتة أو لفعل، وألا وجود لمنظر طبيعي أو لفكرة خارج مجال الشعر "(5).
ب- الأحوال المستطابة: وهي التي كما قال حازم " تكون فيها المدركات منعمة، والتي عليها مدار الشعر من ذلك، هي مدركات الحس، مثل أن يدرك العناق واللثم وما ناسب ذلك من الملموسات والماء والحضرة، وما يجري مجراها من المبصرات، ونسيم الطيب والروض، ونحو ذلك من المشمومات، وذكر الخمر، ونحو ذلك من المطعومات، والزمر والعزف ونحو ذلك من المسموعات "(6).
وانطلاقا من هذه الاعتبارات وجب أن يكون الخطاب الشعري المستطاب القادر على اختراق حواس ومشاعر المتلقي حارسا دوما على ما يوافق مزاجه وميوله وحاله، والتي تميل عموما إلى ما يستطاب، أو يثير السرور، لأنه يتوافق مع ما في أعماق المتلقي.
وإذا كان الأول يليق بمجالس الملوك والوزراء والأمراء، فإن الثاني يليق بمجالس أبي نواس وعمر بين أبي ربيعة، وقبلهم مجالس امرئ القيس، واليوم بنزار قباني شاعر المرأة، أو البياتي شاعر الخمرة أو أدونيس وغيرهم كثير.
ج- الأحوال المؤلمة: وهي كل حالة سيئة ناجمة بعد حسّ، " فأعقب فيها الوحشة والكدر بعد الأنس والصفاء نحو التنعيم بالحبيب بالتألم لفراقه... "(1). وكثيرا ما كان يرد هذا في مطلع قصائد الأوائل وهو السائد في معظمها، ومعظم القصائد اليوم مليئة به كشعر نزار قباني في عصرنا الراهن حتى سمي شاعر المرأة، وصارت " مملكته الحب "(2).
د- الأحوال المفجعة: يلجأ إليها الشاعر- عادة- في نظم أسلوبه الشعري، فيذكر " فيها الإنسان ما يلحق العالم من التغير والفساد، ومآل بني الدنيا إلى ذلك "(3) وأشهر الشعراء في هذا الأسلوب الواصف لهذه الحال شاعر الزهد أبو العتاهية، حيث نظم ديوانا بكامله في هذا الجانب، حتى اشتهر بالزهد، واشتهر الزهد به، وأجدر الأساليب تأثيرا في نفس المتقبل، أو على الأقل إصابة حال من أحوال نفسه، ما " ذهب بها المذاهب الملائمة للأغراض، وآنس بعض المعاني ببعض، وراوح بينه على النحو المشار إليه "(4). والمراوحة في الأساليب تحدث في نفس المتلقي هزات متواترة، يتحرك لمعانيها ويتأثر بها ويستقبلها استقبالا موجبا.
3- التناغم الدلالي في الأسلوب الشعري:
ينبغي تحديد دلالة الخطاب الشعري في علاقته الأسلوبية بالمماثلة الحاصلة في علاقة النظم بالألفاظ، فعلاقتهما شبيهة بلسان المرء وفؤاده " أما اللسان فهو النصف الخارجي الظاهر، وأما الفؤاد فهو النصف الداخلي الذي نضمر فيه ما نضمره من مبادئ وأفكار، وكمال المرء هو في مطابقة النصفين "(5). لذا ينبغي أن يسعى الشاعر دوما إلى تحقيق التناغم، ويعي أن الأسلوب بوصفه نسيجا كليا للدلالة الشعرية يؤثر بناؤه الحسن أو الرديء في قوة حضور الشعرية على سطح الخطاب الشعري وفي عمقه،من خلال " تسخير الأدوات اللغوية وتصريف الطاقات الإبداعية على منازل القول الشعري "(1).
ومن هنا يدرك الشاعر خاصية أسلوبية تحدد ماهيته، وهي خاصية التضافر بإصطلاح التونسي عبد السلام المسدي، والاطراد بإصلاح حازم القرطاجني، فتعمل هذه الخاصية على استجلاء صورة تحليل النماذج لحظة تطبيقها، لكن من غير الممكن حصر كيفيات التأليف بين المعاني في الأسلوب فقط، كما لا يمكن حصر كيفيات التأليف بين الألفاظ في النظم، مع مراعاة قيدين أو شرطين، ويتعلق الأول بما تسكن إليه النفس، فيسعى الشاعر (المتكلم) إلى تكييف " صيغة خطابه حسب أصناف الذين يخاطبهم "(3)، ويضع دائما أمام خطابه من يستقبله لحظة إنجازه بحيث " يشعشع المعاني الموحشة من جهة ما يراد القارئ بمحل القبول من كل سامع بمعانٍ مؤْنسة تتعلق بغير الجهة التي تعلقت الموحشة بها، لكن يتلطف فيما يجمع بين القبيلين "(4).
وكان المتنبي يحسن ذلك ، لأن خطابه يتعلق بوصف الحرب عموما، وبالتالي يستدعي المعاني الموحشة، فاستوجب ذلك أن تعاضدها معانٍ مؤنسة مثل قوله :(5)
ما زال طرفك يمشي في دمائهم*** حتى مشى بك مشي الشارب الثمل
فورد في البداية موحش المعاني مليءٌ بالفجيعة والدماء، ثم تلاه في الشطر الثاني، بما يؤنس الأول.
أما القيد الثاني، فيتعلق بذكر المعاني المؤنسة، ولكن على الشاعر أو الدارس -على السواء- ألا يبدأ من منطلق ليصل إليه، لأنه لا يحسن سوى الأدب " والأديب الذي لا يحسن إلا الأدب محدود الثقافة "(6)، بل يجب أن يكون خبيرا في علم النفس كي يجعل نفس المتلقي قيد تشريح مبضعه الشعري، فيجري لها، ويسلط عليها عمليات تأثير بواسطة المعاني المؤنسة، ومقابل ذلك ينبغي " ألا يطرد في هذه المعاني المؤنسة كثيرا فإنه خروج بالأسلوب عن مهيعه، ولكن يؤتى من ذلك بالمعنى والمعنيين "(7).
ومن الذين أخفقوا في تحقيق الومضات المؤنسة، وإدراجها في ثنايا أشعارهم قول الشريف الرضي:(1)
أرسى النسيم بواديكم، ولا برحت *** حوامل المزن في أحداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه *** على قبوركم العراصة الهمع
فذكر ما يؤنس، وما تطيب النفس وتستريح لسماعه في موضع الغربة والوحشة والقبور، وهذا عيب يحط من منزلة جودة الشعر.
4- العلاقة الدلالية بين أسلوبي الخطاب الشعري والخطاب النثري:
إن أول نقطة ينبغي الوقوف عندها في علاقة الخطابين هي وحدة الغرض أو المقصد، وإن اختلفت الوسيلة الإبلاغية، أو التعبيرية، فغاية الاثنين " إعمال الحيلة في إلقاء الكلام من النفوس محل القبول لتتأثر لمقتضاه، فكانت الصناعتين متآخيتين لأجل اتفاق المقصد والغرض فيهما، فلذلك جاز للشاعر أن يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أي يشعر لكن في الأقل من كلامه "(2).
وهذا يعني أن المقصد واحد، ولكل صناعتة أو لكل لغته الخاصة به، وأسلوبه المميز له، أو أداته التعبيرية التي تفصله عن الطرف الموازي، ويبقى احتكاكهما ببعضهما وارد مستساغ بالقدر الذي يحافظ على صبغة اللونين، فالقطيعة ليست معلنة بين الخطابين، وكلاهما يعمل على إحداث نقلة في مستوى القارئ وتوجيه ميله وإحساسه، ليتحول الاثنان إلى " وسيلة لإعداد الإنسان لحياة أفضل [...] وتوعيته بنفسه وبالظروف[...] التي تحيط به، فضلا عن كونه وسيلة لتربية الذوق وتحسين المشاعر، وترقيق العواطف الإنسانية "(3).
لكن الأداة المعبرة عن الأفكار، أو المصورة للأشياء والأحداث تختلف من أحدهما إلى الآخرفنجد " التخيل هو قوام المعاني الشعرية، والإقناع هو قوام المعاني الخطابية "(4).
وإن كان استعمال بعض المقولات الإقناعية في الخطاب الشعري مطلب نفسي، وإن كان خاصا بالخطاب النثري، لأن " النفوس تحب الافتنان في مذاهب الكلام، وترتاح للنقلة من بعض إلى بعض ليتجدد نشاطها، بتجدد الكلام [...لما...] كانت المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية أعود براحة النفس، وأعون على تحصيل الغرض المقصود "(1). غير أن الإقناع في الخطاب التخيلي له قيود يجب مراعاتها لكيلا ينحرف عن مساره التخييلي المحاكي إلى إقناعي خطابي.
وأول هذه القيود تبعية ما هو فرع في الخطاب إلى ما هو أصل فيه، بمعنى أن الخطاب الشعري يبقى شعرا حتى وإن تخللته لحظات ووقفات إقناعية لما يفعم الشاعر " طبعه وخلقه ومذاهبه في الحياة، ومستوى ثقافته، وظِلّ عمله الأدبي، فنجد في ديوانه روحَه ونظرته في الحياة وتفسيره للأشياء تفسيرا أدبيا أو فلسفيا، وكذلك تعرف نوع كلماته وجمله وطريقة تصويره وتعبيره "(2)، فتستغرق الشعرية في هذه الحال سلوك المبدع من خلال عمله الفني الذي أعلن عن ميلاده في لحظة هاربة تدخله عالم اللاشعور ليخرج ما به بقايا الماضي في تموجات إبداعية مبهمة ومعقدة .
وإذا كان الإقناع لا يظهر هذه الصفات مثلما يظهرها التخييل " وجب أن تكون الأقاويل المقنعة، الواقعة في الشعر، تابعة للأقاويل المخيلة مؤكدة لمعانيها، مناسبة لها في ما قصد بها من الأغراض، وأن تكون المخيلة هي العمد "(3).
وثاني هذه القيود ألا يغلب الفرع على الأصل في الخطاب الشعري المنجز بمعنى أن تهيمن التخاييل على وسائل الإقناع، أما إذا كان خطابيا فالمرجع هي الأقاويل الإقناعية. فلا يستكثر في كلتا الصناعتين مما ليس أصيلا فيها والإقناع في الشعر -بلغة حازم- كالتخييل في الخطابة ، بل" يؤتي في كلتيهما باليسير من ذلك على سبيل الإلماع "(4)، فإن حصل التساوي بين التخييل والإقناع، أو تغليب الإقناع على التخييل في خطاب شعري يكون الشاعر قد أفرط في إدراج ما ليس أصيلا، أو تغليبه، وبالتالي تتضاءل نسبة الشعرية فيه.
وخلاصة القول مما سبق هي التأكيد على أن الأسلوب في الخطاب الشعري تأليف بين المعاني (المدلولات) باعتبار عملية التلقي، فمحور عملية التلقي وتوجيهها للخطاب وتحديد طبيعته أمر وارد في كل خطوة يخطوها الشاعر في ثنايا خطابه.





























[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ghilous.hooxs.com
 
الأبعاد النفسية للأساليب الشعرية تتمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية  :: لغويات :: لسانيات-
انتقل الى: