خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

المعرفة للجميع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الأصول الأسلوبية للخطاب الشعري الطاهر بومزبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غيلوس
Admin


عدد المساهمات : 60
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 17/04/2009

مُساهمةموضوع: الأصول الأسلوبية للخطاب الشعري الطاهر بومزبر   الإثنين مايو 09, 2011 11:33 am






















يندرج هذا الفرع ضمن العلوم التي تنضوي تحت علم الشعريات (Poétics)، ويسمى هذا الفرع علم الأسلوب أو الأسلوبية وغيرها من المصطلحات التي وظفها المختصون فيه، غير أنه حسب القانون العام لترجمة مصطلحات أسماء العلوم التي وضعها اللسانيون في الغرب، " في ملتقى تونس المعقد سنة 1978 م "(1)، حيث كان تركيزهم منصب على مصطلح (اللسانيات :Linguistics).
ومصطلح العلم الذي يهتم " بمقوّمات الأسلوب " كان ما لقي مصطلح (اللسانيات) من جهة مقبوليته في أوساط الدارسين والمختصين، بالرغم من أنه سمي بمصطلحات متباينة كما ذكرنا وأهمها وأكثرها شيوعا على خطإ مصطلح " الأسلوبية "، حيث جعل الدكتور عبد السلام المسدي المصطلح عنوان كتاب بأكمله وهو كتاب " الأسلوبية والأسلوب "، كما أجرى نصر أبو زيد قراءة لكتاب واحد من عمالقة الدراسات الأسلوبية والبنيوية التحويلية في إرثنا الحضاري اللساني الشيخ عبد القاهر الجرجاني وعنوان الكتاب " دلائل الإعجاز "، وكان عنوان مقال أبي زيد " مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني قراءة في ضوء الأسلوبية "(2). واستعمل مصطلح الأسلوبية كذلك الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم، عندما ترجم كتاب هوجو مونتيس تحت عنوان " الأسلوب والأسلوبية "(3)، كما سمي بمصطلحات أخرى.
غير أن المصطلح المنسجم مع طبيعة اللغة العربية في بنيتها الصرفية الاشتقاقية، يقتضي منا أن نأخذ من الإنجليزية (Stylistics) وليس من الفرنسية (Stilistique)، فنحلل المصطلح الإنجليزي (Stylistics) إلى وحدتين أساسيتين وهما الصفة (Stylistic)، الدالة على النسبة إلى الأسلوب أي
" أسلوبي " ثم الوحدة الثانية وهي أداة بناء صيغة الجمع في اللغة الإنجليزية " S "، التي تستعمل للدلالة على صيغة الجمع تذكيرا أو تأنيثا، فنختار صيغة التأنيث ونضيفها إلى الصفة الدالة على النسبة، فنحصل على المصطلح الدال على علم الأسلوب وهو " الأسلوبيات "، بطريقة العلاّمة عبد الرحمن الحاج صالح الجزائري في تعامله مع مصطلح " اللسانيات "، وهذا يتماشى والذوق العربي الذي استأنس بمصطلحات: الرياضيات، البصريات،...، وغيرها "(4).
وبالتالي فإن المصطلح الأكثر انسجاما مع ما نريد تناوله هو مصطلح " الأسلوبيات " وليس الأسلوبية، أو علم الأسلوب، أو غيرها، وهذا -طبعا- له صلة بالناحية الاصطلاحية الخالصة.
وكلمة (أسلوبية) التي استعضناها بمصطلح (الأسلوبيات) " جديدة في لغتنا يرجعها (كروميناس) إلى القرن العشرين الميلادي، مشتقة التأكيد من (أسلوب)، وتعني في معناها العام، طريقة أو فن الكتابة [...] وتكون الأسلوبية دراسة أسلوب العمل الأدبي "(1). كما يستعمل بصيغة الجمع (الأسلوب) عند العرب للدلالة على " الفن "(2).
بينما يدل عند حازم دلالة شاملة، وواسعة تستغرق المسالك الممكنة في عملية ما، وكيفية إنجازها، ولهذا أطلق عليها مصطلح (الطريقة) التي جاء بها على صيغة الجمع (الطرق)، ولكيلا تبقى دلالة المصطلح غامضة لا نسبة فيها ولا هوية لها، أضاف لها الكلمة المحددة والضابطة لها، وهي (الشعرية)، فأصبحت مجتمعة في عبارة " الطرق الشعرية "(3).
وإذا كان الدال الأول يحيل على الطريق أو الأسلوب أو الفن باصطلاح الرازي، فإن إضافة صفة (الشعرية) أماطت الغموض، وأزاحت التعميم من الدلالة، لتقتصر على الخطاب الشعري أي بتعبيرنا الخاص، أصبحت التركيبة المشكلة لعبارة (الطرق الشعرية) تدل على فنون الكتابة الشعرية أو أساليب الخطاب الشعري فقط. وتعتني الأسلوبيات – في حقيقة الأمر –بدراستها، والبحث في كل فن أو أسلوب شعري مع التخصيص المنهجي.
بينما موضوع بحثنا لا ينصب على هذا بصفة موسعة، لأن مجال اهتمام البحث لا يتسع لذلك باعتباره منصب على كل ما له صلة بالشعريات (Poetics)، ولاتعد الأسلوبيات جزءا منها، كما هو الشأن مع الدلاليات الشعرية التي تتمحور حول دلالة الخطاب الشعري، وقد أوردناها مفصلة في الباب الأول إلى جانب البناء الشعري، أي مظهره الخارجي، الذي تختص في حقله علوم كبيرة تركيبا، وبلاغة، وعروضا، وقافية، وهي التي تضمنها الباب الثاني.
وبقي لنا في الباب الثالث والأخير تتبع أساليب الشعراء في تشكيل خطابهم الشعري ومذاهبهم المتضاربة حسب تضارب الغرض والمقصد، وكذلك سياق الحال الذي يفرض وجوده، وهيمنته على الخطاب دلالة وبنية، وأسلوبا، كما سيتضح في الفصول الأربعة الموالية التي يتمحور حولها هذا الباب الفصل الأول: أسلوب بناء الخطاب باعتبار التخاطب
ونقصد هنا باعتبار التخاطب الوضع الذي يكون عليه المتخاطبان لحظة إنتاج الخطاب الشعري، والمخاطِب، والمخاطَب من جهة المنحى أو الأسلوب الذي يُسلك في توجيه الرسالة الشعرية.
ولا يمكن تحديد ذلك إلى إذا حصرنا الأساليب الشعرية التي ينحوها المخاطِب، والتي مهما تنوعت طرق نظمها، وتباينت دلالاتها، وبنيتها، فإنها لا تخرج في الخطاب الشعري عن كونه " ينقسم [...] إلى طريق جد وطريق هزل "(1)، ويتميز كل طريق وأسلوب أو فن– فلا تشاح في المصطلحات– بجملة من المميزات التي تجعل نسيجه ودلالته ونظمه وعباراته تتباين، ولكل وضع خطابي ما يليق به من مكونات هذين النمطين " وأنا أذكر ما تختص به تلك الطريقتين وما يسوغ في كل واحدة منهما مما هو خاص، أو كالخاص بالأحرى "(2)، لكن هذه الخصائص لا تخرج اللونين أو النمطين الشعريين عن مميزات هذا الصنف من الخطابات النوعية، بحيث تسجل حضور وهيمنة الوظيفة الشعرية في كلا الأسلوبين.
أ- أسلوب الهزل:
وهو عند حازم القرطاجني " مذهب في الكلام تصدر فيه الأقاويل عن مجون وسخف بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك "(3)، وبالتالي نسجل عن حازم الرؤية الأخلاقية في تصنيف أساليب الخطاب الشعري، واللباقة النفسية التي يتمتع بها أو يفتقر إليها المرسل تجاه المتلقي، حيث لا نجد هذا الأسلوب إلا في المجال التخاطبي الذي تتسع فيه الهيمنة للمرسل، وتضيق لدى المتلقي.
ويؤكد حازم على ضرورة الأخلاق في الفن، في الوقت الذي يعلن فيه بأن العمل الإبداعي الشعري تخييلي بالدرجة الأولى، وهذا يدفعنا إلى القول بأن المجال الأخلاقي في الخطاب الشعري له دوره وتأثيره على تحديد اتجاه أسلوب الشاعر، سواء كانت أخلاقا سلبية أم إيجابية، لأن الأمر يتعلق بمدى حضور الوظيفة الشعرية داخل الأثر الأدبي الشعري.
" يقول نزفال في تاريخ المنازل الست الفارغة:
أماه
إذا استطعت فاتركيني دائما في الأسفل
في الغرفة الفارغة حيث لا يستقبل أحد
أنا مرتاح بسكناي معك
وسيكون من المفزع أن أطرد منها
كم رحيلا ينتظرني ...
إن الدعاة المتحمسين للشعر المتمرد كانوا يمررون هذه الحليات الشعرية "(1).
وما يميز هذا الأسلوب الهزلي هو تضخم الأنا في خطابه الساخر السخيف عكس أسلوب الجد الذي يتميز بالرزانة لأن المجال ضيق للخفة والهزل والسخف، كما سنبينه فيما بعد، وإنْ كان أهل المنحى أو الأسلوب الهزلي " يشاركون أهل طريقة الجد في كثير من المعاني والعبارات، ويستعملون ذلك في كلامهم وطريقتهم بساطا إلى ما يريدونه من معاني الهزل التي هي غاية طريقتهم "(2).
وإذا كنا قد سلمنا بقانون التدرج بين وحدات وفصول القصيدة الشعرية سواء بالالتفات أو بالاستدراج، فإنه يتحتم على منجز الخطاب الشعري ذي الطابع الهزلي " أن يتلطف في التدرج من الجد إلى الهزل "(3)، فإذا دخل متدرجا إلى الهزل وجب عليه أن يلمّ بخصائصه ومميزاته في كل مستوياته، وأن يعي من البداية أن أصحاب هذا المنحى حملوا في الشعر الجاهلي راية " الصراحة والحرية الفكرية "(4)، من أول وحدة أو فصل يتخللها مطلع عزَلي.
وأول ما يجب أن نلمسه منه هو البعد النفسي بحيث " تكون النفس في كلامها مسفة إلى ذكر ما يقبح أن يؤثر، وألا تقف دون أقصى ما يوقع الحشمة، وألا تكبر عن صغير، ولا ترتفع عن نازل "(5)، بل تمتلك من الجرأة ما يدفعها إلى الخلاعة الشعرية، والتعري الفكري، وبالتالي يجد الأسلوبي نفسه مضطرا إلى " اختراق الحواجز الأدبية "(6)، ليلجأ إلى دراسة نفسية الشاعر، لأن الخطاب الشعري الهزلي منشأه الأول " التعري العقلي "(7) الذي عود الشاعر نفسه عليه، والذي يورثه السخف والخفة، اللتين تأتيان من نفس تتوفر على الشروط الموضوعية لأخذ قناعها مثل أبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة، وامرئ القيس وغيرهم كثير.
وثاني القيود الهزلية له بعد تركيبي أي الجانب البنائي للخطاب، فالأساليب الهزلية " تتحرى في عباراتها الرشاقة، وألا يتسامح في كثير من التكلف المتسامح فيه في طريقة الجد "(Cool، لأن أسلوب الجد يكون غالبا في الخطاب الشعري المدحي، فتظهر شخصية الممدوح أكبر من المادح، فيغلب على الخطاب طابع التكلف في الوصف، واستعمال عبارات وصيغ المبالغة، عكس أسلوب الهزل السلس السهل العبارات الذي يكاد يلامس في بنيته الخطاب العادي أحيانا، وهو ما لا يُقبل في أسلوب الجد.
وبحكم الحرية التعبيرية التي يتمتع بها مرسل الخطاب الهزلي عكس الجدي، يجد نفسه حُرّا في اختيار ما شاء من الألفاظ والعبارات، ولهذا يكثر من استعمال العبارات الساقطة، والألفاظ الخسيسة ككثير من ألفاظ " الشطار المتماجنين وأهل المهن والعوام والنساء والصبيان على الوجه الذي تقبل به الطريقة ذلك "(1)
ولما في الشعر من تخييل وموسيقى تقوم على منوالها ركيزة الجمال في الخطاب الشعري، يتعجب صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه ممن ينقص من شعر المتنبي " لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة، وفساد المذهب في الديانة [...] فلو كانت الديانة عار على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر، لوجب أن يمحي اسم أبي نواس من الذكر، ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات "(2).
ومن خصائص أسلوب الخطاب الهزلي كذلك التسامح في تخفيض وتيرة الشعرية إلى درجة يستساغ فيها " استعمال التصاريف التي شاعت على ألسن الناس، وتكلم بها المحدثون، وإن لم يقع في كلام العرب إلا ضعف وقلة "(3).
وقلة الاستعمال لِتصاريفَ من طرف الأوائل، وكثر استعمالها عند المحدثين حتى صارت عامية تقلل – كما يوضح ذلك كلام حازم – من تعالي وانزياح الخطاب الشعري، لكنها لا تبعده عن فن الشعر.
ومن ذلك أيضا العبث في العبارات،والزيادة في حروف الكلم على ما سمع من أقوال العرب،وكلامهم كقول بعضهم :(4)
شَرِ شَرِبْتُ بماخور *** على دفّ وطنبور
فالقصد هنا ليس الإبداع في اشتقاق دوال جديدة وإنما إظهار العبث في كل مظهر من مظاهر تشكل الخطاب الشعري، وإلغاء الثابت المطلق، وكسر قيود الأنظمة الجاهزة، وإن كان ذلك يبعدهم عن العرف اللغوي السائد، كما أبعدهم العبث عن الأعراف والأخلاق السائدة في المظهر الدلالي للخطاب، وهو التأويل الذي ذهب إليه حازم لسببين :
أولهما: أن أسلوب الهزل عبثي يهتك المعايير الأخلاقية، والتقاليد الاجتماعية، ويأتي بدلالات لا تليق في مقام العقل والمروءة، ونجده لدى الجاهليين والعباسيين بكثرة .
ثانيهما: العبث واللعب بالألفاظ والعبارات حتى يخرجها عن الخطاب الشعري الأصيل، وهذا ما وقع للمحدثين خاصة بعد اختلاط العرب بالعجم، لتهشيم التقاليد الشعرية العربية المقدسة من قبل الشعراء الأوائل، كما تجسد في أعمال أبي نواس صاحب حياة اللهو والمجون فاتخذ " الخمرة وسيلة ليثور على القديم، ساخرا من وقوف القدامى على الأطلال وبكائهم على الأحباء وسؤالهم عن سلمى وهند وسواهما داعيا إلى الوقوف على ديار الخمرة :
قل لمن يبكي على رسم درس *** واقفا ما ضر لو كان جلس ؟
أترك الربع وسلمى جانبا *** وأصبح كرخية مثل القبس
[...] وتغنى النواسي بالخمرة ردحا من حياته، كما لم يتغن بها أحد من قبله، حتى أصبحت الخمرة وأبو نواس من المترادفات في الأدب العربي "(1).
بيد أن هذا العبث من الجانبين لا يلغي أو يعدم جمال الفسحة الفنية، التي تجعله خطابا نوعيا، وأسلوبا قائما بذاته، تهيمن فيه الوظيفة الشعرية، أو تسجل حضورها الدائم في بنيته .
ب- أسلوب الجد :
تعتبر أساليب الجد أو طرائقه " مذهب في الكلام،تصدر فيه الأقاويل عن مروءة وعقل بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك "(2)، ويتصدر الخطاب أسلوب الجد في حضرة الملوك والأمراء، ومواطن الفخر والاعتزاز بالظفر في الحروب، والرثاء حيث لا مجال للخفة والرشاقة فيه، بل يتطلب الوقار، والعقل، والسكينة والذبول في الرثاء لما ألمّ بشخص، أو أسرة، أو قوم، وقد تكون مدينة كما هو في رثاء المدن لدى شعراء الأندلس .
ويستوجب أسلوب الجد قيودا خاصة به، ومميزات تفصله عن الهزل عبر كل مستويات التشكل اللغوي دالا ومدلولا داخل الخطاب الشعري الجدي وإذا كان " أصعب ما في الكون خلق الجمال "(3)، فإن الشاعر هنا مطالب بإيجاد الجمال ونفحاته داخل خطابه الجدي المميز بخصائص تفصل بين حدوده وحدود الخطاب الشعري الهزلي .
وأوّل ما في الأساليب الجادة للمقاصد السابقة (المدح، والفخر، والرثاء) " إلا فيما كان من الكلام على الجد إلى طريقة الهزل كبير انحراف "(4)، لأن تغليب شيء على آخر يفرض وجوده، والتساوي بينهما يقتضي التقاسم، بينما التقليل من الشيء يصرف ذهن المتلقي عنه، وإن نظر أليه بعين الفهم، والتذوق ولا يعده مقصودا بالقول لذاته، لذا على الشاعر إذا أخذ من الأسلوب الجدي أن " ينحرف إلى ذلك بالجملة، لأن الكلام المبنى على الجد إنما قصد به إلقاؤه بمحل القبول من أهل الجد، وكثيرا من أهل الجد من يكره طرق الهزل "(1)، وخاصة أهل العلم وهم العقلاء، وأهل الجاه كالملوك والأمراء، وذلك لما يتوفرون عليه من عقل ومروءة، ويبقى القيد الأول ذا بعد نفسي خالص .
وثاني ما يتطلبه الأسلوب الجدي " أن يتجنب الجهات المختصة بالهزل، والمعاني الواقعة في تلك الجهات، والعبارات عن تلك المعاني، والجزء الواحد من العبارة الواقعة في ذلك إذا كانت قد وقعت لشهرة من جهات الهزل "(2) .
ولهذا أعاب المختصون في حقل الشعريات عموما، والأسلوبيات خصوصا على المتنبي قوله في أم سيف الدولة الحمداني :(3)
رواق العز فوقك مسبطر *** يزداد طيبا إذا الأعراف لم تطب
وما جعله لفظا معيبا هو ورود " لفظة مسبطر بعد قوله للمرأة فوقك قبيحة، ولا سيما بعد أن استعملها ابن حجاج، حيث استعملها وعرف ذلك من قوله "(4) . خصوصا إذا سلّمنا بأن " العلاقات الدلالية بين اللفظ والمعنى أمر ناتج عن اصطلاح قام به البشر "(5)، فإذا شاعت هذه العلاقة وعرفها الناطقون بلسان هذه الدلالة الناتجة، صار استعمالها في حدود ما هو متعارف عليه، فما اختص به الهزل يبقى في مجال الهزل، وما كان للجد ينبغي توظيفه في مقامه .
لذا وجب أن تتحاشى دوال الأسلوب الجدي " الساقط من الألفاظ والمولد، ويُقتصَر فيها على العربي المحض، وعلى التصاريف الصريحة في الفصاحة المطردة في كلامهم "(6)، لأن الخطاب الشعري مجاملة فنية باعتبار الوضع التخاطبي، وبالتالي يختار من البداية ما يتناسب ومكانة المتلقي.
أما مدلول الأسلوب الجدي فينبغي فيه أن يحمل بشحنة دلالية لا تثير الطيش والسخف والمجون، لكي يحصل " تظافر حول الدلالة المركزية "(7)، التي تكون " واقفة دون أدنى ما يحتشم من ذكره ذو مروءة أو يكبر نفسه عنه "(Cool.
فالعقل والمروءة يفرضان وجودهما، ويوجهان إلزاميا الخطاب الشعري وجهة الجد عكس الطيش والسخف الهزليين.
أما فيما يخص البنية التركيبية لأسلوب الجد، فعكس البنية التركيبية الهزلية لأنها تنحو منحى المتانة والرزانة [...] وقد تأخذ الطريقة الجدية بطرق الرشاقة "(1)، لأن أهل الهزل يأخذون من الأبنية التركيبية ما يجعلها متينة رصينة، رغم أنها في الأسلوب الهزلي.
ويتبين من خلال عرضنا لكل خصائص أسلوب عبر كل المستويات الدالية، والدلالية، والتركيبية، أو باعتبار المتخاطبين، أن القطيعة التامة ، والفصل المطلق بين الأسلوبين لا يعني إطلاقا القطيعة المطلقة بينهما، بل لا يمكن لأي دارس أن يرسم جدار الصين بين الأسلوبين ، وإنما هناك تقارب، أو محاولة التقارب ليأخذ الواحد من الآخر، بالرغم من أن الخطاب في كلا الأسلوبين يتميز " بنوع من الانغلاق، والابتعاد عن الشفافية التي تفترض ضمنا في مقام خطابي "(2) إما بتوجيه من طرف المخاطِب أو بتأثير بفعل هيمنة المخاطَب.
إلا أننا نجد أسلوب الجد يستعمل معاني الهزل، وهي " المعاني التي ذكْرها في بعض المواضع إطراب وبسط للنفوس "(3)، فتستعمل تهيئة وتمهيدا للدخول في أساليب الجد المقصودة بإنتاج الخطاب الشعري، لأن الترويح عن النفس من حين إلى آخر في مواضع الجد، يحدث المفاجأة أيضا، فيخرج النفس المستقبلة من دائرة التشبع والملل من جد المتواتر، وإن كان الموضع موضع جد، ليتحول الأسلوب الهزلي ملحة من ملح الخطاب الشعري ذي الأسلوب الجدي الصارم.
كما يأخذ الأسلوب الجدي من الهزلي بعض العبارات المتسمة بالحلاوة والرشاقة، وقد نسبنا الحلاوة والرشاقة إلى الهزل لأنها " به أخلق، وهو بها أولى وأليق "(4)، بالرغم من افتقارنا لعنصر استدلالي آخر على نسبة الحلاوة والرشاقة إلى أسلوب الهزل وهي " لغة الجسد (Body-language)، [... التي ...] تستخدم بشكل لا شعوري، وتعبر عن الجوانب الأكثر حقيقة من ذواتنا "(5)، لأن حركات وإشارات موضع الجد غير حركات وإشارات موضع الهزل لكنها تشترك في كونها شكل من أشكال التعبير الانفعالي الذي لا يقبل الوصف داخل الخطاب المكتوب، لكنها تلمس، وتدرك في الخطاب المسموع مباشرة، وحلاوة الخطاب الشعري الجدي تكمن في القدرة على استقطاب مثل هذه العبارات والدلائل، والمراوحة بينهما وبين عبارات ودلائل الجد، وهو ما يؤكده سقراط في قوله " حكاية الهزل لذيذة سخيف أهلها، وحكاية الجد مكروهة، وحكاية الممزوج منها معتدل "(6)، وخير الأمور ما كان وسطا بين الإفراط والتفريط، لأن الطرفين مذمومان، والاعتدال محمود.
وكما تأخذ أساليب الجد من أساليب الهزل في كل مستوياتها، وخاصة الدلالية، فإن العملية عكسية في أساليب الهزل، حيث تأخذ من الجد ما يليق ببنيتها مثل قول أبي نواس:(1)
صوتا له رفعا على الابتداء *** وصار لي نصبا على الحال
فقد وظف واستخدم في موضع الجد لغة علوم اللغة العربية، في جانبها التركيبي وهما ثنائية: الرفع مع الابتداء، والنصب مع الحال.
ولا يمكن لدارس الشعريات أن يصدر حكما على شاعر، أو يقارب بين شاعرين للحكم على قيمة العمل الأدبي، وهو يجهل هذا التصنيف، وهذه المبادئ الخاصة بكل أسلوب، وبالتالي إدراك القاموس الضيق الذي يفرضه الأسلوب على الشاعر لإصدار حكم موضوعي على العمل الإبداعي، ونحن نعرف " أن العمل على القاموس الضيف أشق من العمل على قاموس بلا حدود، وأدنى إلى منطوق العصر، القيمة ليست في عدد الكلمات المستهلكة، بل في كيفية تفاعلها، ساعة التعبير عن أبنية [...] فالإلياذة لم تشيدها المعاجم وضخامة الأحداث وإنما العافية الشعرية "(2).
وهذه العافية الشعرية نابعة من إدراك قوانين جمالية، ولا بد للدارس والمبدع " من معرفة هذه القوانين إذ بها يتبين نمط كلامه، وإغراقه في الطريقة التي هو مبني عليها كلامه، وسلامته بحسب ما يجب فيها "(3).
وإذا أردنا تمثّل الفرق بين الأسلوبين تمثلا قطريا دائريا وتبيان حجم أو مساحة المميزات البارزة في قطر الدائرة لنا أن نتمثل ذلك كما يلي:
-التمثيل الأول:







-التمثل الثاني








من خلال تصور المساحة الواسعة لمميزات معينة، يمكن الحكم على الخطاب الشعري ونسبته إلى أسلوب معين بالرغم من الحضور النسبي للميزات الأسلوب الأخرى، وهو ما فسره جاكبسون بمصطلح " الهيمنة "(1)، فهيمنة وظيفة أو ومن أسلوب معين لا يعني الغياب المطلق لما يقابل ذلك، وإنما يمكن حضوره، وإن تضاءلت نسبته مقارنة بالعنصر المهيمن، لأن " الوظيفة المهيمنة في الأثر تمارس تأثيرها على كل الوظائف الأخرى "(2).

الفصل الثاني: المقاصد الأسلوبية للخطاب الشعري
إن ما ينبغي الإحالة إليه أول الأمر، هو الحصر المطلق لهذه المقاصد في أسلوبي الهزل والجد، وإن اختلف الدارسون للشعريات في تحديد أنماطها، وقد اختلفوا في إحصائها لاختلاف المنطلقات التي اعتمدها كل واحد منهم في تحديد أنماط المقاصد الأسلوبية للخطاب الشعري.
وهناك أمر آخر جدير بالذكر، وهو أن المقاصد التي يريدها الشعراء بمنزلة الأيديولوجيا في الخطاب النثري، فكما أن إفراغ هذا الأخير من محتواه الأيديولوجي يحوله إلى وعاء لفظي فارغ، أو سلسلة أوعية فارغة لا تحتوي على أي مردود، فكذلك المقاصد في الخطاب الشعري، حيث يؤكد استقراء الدارسين في حقل الشعريات على انعدام تشكّل بنية خطاب شعري شاغرة، بل لا بد من شحنها بمقاصد يصبو المخاطب إلى إيقاعها في نفس المتلقي، أو تحقيقها بوصف غرض لذات الخطاب.
وقد اختلف الشعراء في تحديدها، وإحصاء أنماطها، غير أن الملفت للنظر هو الرفض المطلق لكل هذه التقسيمات والتصنيفات من قبل حازم، واقترحه لنموذج سنأتي على ذكره فيما بعد عندما نأتي على آراء بعض الدارسين في ميدان الشعريات.
أ- تصنيف قدامة بن جعفر:
يرى هذا الناقد البلاغي أن مقاصد الشعراء من جهة الغرض " ستة أقسام: مدح وهجاء ونسيب ورثاء ووصف وتشبيه "(1)، وهي قسمة تهتم – في نظري – بعملية التلقي، أي تقوم بتصنيف مقاصد الشعراء على أساس الوضع الخطابي الذي يجمعه بالمتلقي، فتكون الصدارة فيها للخطاب، فتصير عملية التلقي في نهاية المطاف عملية محورية – عند قدامة – في تحديد مقاصد الشعراء بل ينطلقون منها لإنشاء وبناء هيكل ودلالة خطابهم الشعري.
ب- تصنيف الرمّاني:
يرى هذا البلاغي أن " الصحيح أن تكون أقسامه خمسة لأن التشبيه راجع على معنى الوصف "(2)، وهو بذلك يسقط التشبيه لأنه عملية تنعيت وتقريب لصورة بصورة، أو شيء بشيء من خلال الأوصاف الجامعة بينهما، ويحتفظ بالمدح والذم والنسيب والرثاء والوصف، كما يحتفظ أيضا بإجماع التفكير البلاغي الأسلوبي الذي يعتمد على منهج اختياري في إثبات (حضور) المتقبل في عملية الإبلاغ، " فإذا استندنا على التجربة اهتدينا إلى أن المتكلم عامة يكيّف صيغة خطابه حسب أصناف الذين يخاطبهم، وهذا (التكيف) أو (التأقلم) ليس اصطناعيا؛ لأنه عفوي قلما يصحبه الوعي المدرك"(3).
ويعقب حازم على قول الرماني ناقدا إياه بإمكانية إسقاط الوصف للاستدلال على فساد رأيه، بحجة أنه فتح بابا للنقد إذ من " الممكن أن يقول قائل: إن قسم الوصف أيضا داخل في قسم الحمد أو الذم "(1)، خاصة وأن الوصف هو ذكر لأشياء أو لصفات أو لأفعال وحالات، وكلها تدخل في وصف للأفعال والأحداث أو للأشياء والموجودات، وهي الأطر المرجعية في بناء الخطاب الشعري بكل أساليبه وأنواع مقاصده.
ج- تصنيف ابن رشيق القيرواني:
يُعرف هذا الجل بوصفه ناقدا أكثر من كونه مختصا في علوم الشعريات الدلالية والبنائية، وإن كان على الناقد أن يكون عارفا بها، وليس على اللغوي أو اللساني أن يكون ناقدا للشعر، لأن الشعريات تقتضي معرفة بلاغية وعروضية ونحوية و...، فالشعريات " تؤوّل أثر الشاعر من خلال موشور اللغة "(2) ، وقد خالف إبن رشيق الرأيين السابقين، حيث جعل "أركان الشعر أربعة: الرغبة والرهبة والطرب والغضب "، فيكون منشأ الخلاف في مقاصد الخطاب الشعري باعتبار المنجز له، لأن الإنتاج الأدبي كما يقول يوزف شتريلكا " كل متكامل، وروح المؤلف هي المحور الشمسي الذي تدور حوله بقية كواكب العمل ونجومه، ولا بد من البحث عن التلاحم الداخلي "(3) بين المرسل وروح الخطاب النابغة من أعماق المبدع. وتكون الصدارة عند شتريلكا للمرسل باعتبار نزعته البرغسونية الروحية، فكل شيء يدور حول المرسل، والنص جزء منه أو جزء من مجموعته الشمسية الأدبية التي تحوم حوله.
وقد اعتبر ف. دو لوفر (F.De Loffre) أن " الأسلوب الفردي حقيقة بما أنه يتسنى لمن كان له بعض الخبرة أن يميز عشرين بيتا إن كانت لراسين (Racine) أم لكرناي (Corneille) أم لستاندال (Stendhal) [...] وإذا عسر على بعض أبناء اللسان العربي تمثل هذا التقرير فقد لا يعسر عليهم إقرار القدرة على أن يميزوا ببعض الخبرة فقرة يسمعونها لأول مرة "(4).
فيتضح من كل ما سبق أن الاعتبار الأول في عملية تحليل الخطاب الشعري يعود إلى المناهج النفسية، لحصر هذه المقاصد وخصائصها، ثم إدراج الخطاب المعني بالتحليل، أو التلقي ضمن مقصد من المقاصد السابقة الذكر. وقال بعض الدارسين للخطاب الشعري هي في مجملها " رغبة ورهبة "(5).

د- تصنيف حازم القرطاجني:
يرفض حازم كل التقسيمات بحجة أن " كل تقسيم منها لا يخلو من أن يكون فيه نقص أو تداخل "(1)، أي إما أن تكون قد جمعت أطرافا غير ملمة بكل المقاصد الأسلوبية للخطاب الشعري، أو أنها متداخلة مع بعضها يمكن إدراجها في قسم واحد مثل المدح والذم في قسم الوصف.
ولهذا يرفض التقسيم باعتبارات متعلقة بالمخاطِب أو المخاطَب، أي (المرسل والمرسل إليه)، وإنما باعتبار مقاصد الرسالة الخطابية الشعرية ذاتها، فيتم – في نظره – تحديد " ماهية الأسلوب [...بوصفه ...] جوهر الخطاب في ذاته [...] يمتد حبل التواصل بينه وبين لافظه ومحتضنه لا شك، ولكن دون أن تُعلّق ماهيته على أحد منهما "(2).
ويتم تحديد أصناف المقاصد حسب ما تهدف إلى تحقيقه بواسطة السيطرة على نفس المتلقي باستعمال أدوات شعرية في غاية الروعة والجمال، والقصد بالرسالة الشعرية عموما هو " استجلاب المنافع واستدفاع المضار ببسطها النفوس على ما يراد من ذلك وقبضها عما لا يراد بما يخيل لها فيه من خير أو شر "(3).
فالتخييل والمحاكاة في الخطاب الشعري، إنما يقصد منهما دفع النفس عما يرى الشاعر فيه ضر، واستجلابها إلى ما يرى فيه خير، وكم من قصيدة أو بيت شعري واحد ألهبا حربا دامت سنوات وعقود، وأُخر أوقفتها أو أخمدت لهيبها، وخاصة في العصر الجاهلي عندما كان الشاعر أمير البيان، ولسان قومه.
والمنفعة والمضرة في الخطاب الشعري باعتبار عملية التلقي تجران حازم إلى تقسيمات بالنظر إلى ما يلي:
1- الظفر: وبما أنه منفعة فإنه يذكر عند حصول ما يسعى إلى تحقيقه.
2-الإخفاق: وهو مضرة يذكر عند العجز عن تحقيق الشيء، فتأتي محاكاة الأشياء أو تخييلها تعبيرا عن الإخفاق.
3- الأذاة أو الرزء: ويحصلان بتخيل ما من شان المرء يهرب وينفر منه .

4- النجاة: وهي الكفاية في مظنة الحصول، ويمكن الجمع بينها وبين الظفر .
ومن خلال هذه الأمور الحاصلة يمكن أن نستنبط المقاصد المرجوة من خطاب شعري،والتي حصرها حازم فيما يلي :
1- التهنئة: وذلك عندما يكون " القول في الظفر أو النجاة "(1)، ويقابل الفخر عند أصحاب التصنيفات السابقة.
2- التأسف: ويندرج تحته كل خطاب رومانسي خاص مثل شعر أبي القاسم الشابي " الذي ذهب إلى الغاب بنشر رسالته ويشكو آلامه معتقدا أن المجتمع قد ظلمه "(2)، ويأتي الشعر تأسفا إذا قصدت النفس " تحسرها "(3) على ما فات أو ما حلّ.
3- التأسي: وهو مقصود كل خطاب يكون القول فيه حديثا عن الإخفاق مع أن القصد منه " تسلية النفس عنه "(4)، ويكثر هذا النمط من الخطابات الشعرية عند شعراء المهجر، أو من يعرفون بأصحاب (الرابطة القلمية)، وخاصة الشاعر المتشائم ((إليا أبو ماضي)) في عدة قصائد مثل " الكنار الصامت، رأي الأكثرية، مجاهد، لبنان، الغابة المفقودة، و... "(5).
4- التعزية: تتفق قصائد هذا المقصد من حيث ما تهدف إليه، فتكون مدعاة إلى التحمل والصبر لمن حل به ألم أو رزء بفقدان الأحبة والخِلاَّن، لكنه يختلف من جهة الإطار المرجعي المقصود بالمحاكاة والتخييل، فقد يكون المرجع هو أحد الأشخاص غير المرسل، " مثل الخنساء في رثاء أخيها حتى ارتبط بها الرثاء، وارتبطت به، فاتحد اسم الخنساء بالتعزية، وإن كانت له علقة، بالأشياء مثل اللذات الهاربة التي يجري وراءها الشعراء دوما ، وخاصة في العصر الحديث مع أبي ماضٍ في قصيدته ابتسم "(1)، حيث يسلي أحد المتشائمين ويعزيه، ويدعوه إلى الصبر ونشر نفحات بسمة الأمل، وبالتالي يقول " في الرزء قصد استدعاء الجلد "(2) .
5- التفجع: ويخص الأحزان والمآسي، ويحتوي دلاليا على مكروه يرِد ذكره للتألم والحزن، مثل مراثي الخنساء، وقد ألف أو جمع أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي في القرن الثالث الهجري مدونة(3) خصها للرثاء، فاختار مقطّّعات لِمَرَاثٍ متنوعة للكثير من الشعراء السابقين، وهذا العمل يعد دليلا قاطعا على اهتمام الشعراء العرب بشعر التفجع لأن المكاره تتالى ويتعاقب حلولها في ديار أهلهم وذويهم ، فيكون القصد من التفجع " استدعاء الجزع "(4) عكس التعزية التي تستدعي الصبر، فيأتي التفجع قبل التعزية .
6- المديح: ويكون المقصد فيه القول في كل ما تم نيله لاستجلاب النفع أي إن " كان المظفر به على يد قاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل "(5)، وإن اختفى ذكر أهل الكثير من الفضل، و " كم فضيلة لم تستشرها المحاسد "(6).
7- الهجاء: ويكون المقصد فيه القول في كل ما تم فعله لاستجلاب المضار، أي " إن كان الضار على يدي قاصد الأذى فأدى ذلك إلى ذكر قبيح "(7)
8- الرثاء: وهو مقصد كل خطاب عندما يحل " الرزء بفقد شيء "(Cool؛ لأن مقصد الخطاب المنجز يتمحور حول مصيبة ألمّت به أو بغيره، أو بموضوع المحاكاة أو التخييل عموما.
لكن إذا تسنا لنا أن نعلق نحن على قول حازم كما فعل بسابقيه، لأن " القارئ الذي يعذب النص لا ينجو من العقاب "(9)، وبلغة أقل حدة كما نقد السابقين وتصنيفاتهم لمقاصد الخطاب الشعري علينا أن نسلط ضوء النقد على تصنيفه أيضا خاصة وأنه كان بإمكانه أن يقلص تصنيفه إلى ستة مقاصد لأن التعزية والتأسف والرثاء يندرجان تحت وصف الموجودات المفقودة، فالاختلاف بين هذه المقاصد ينحصر في المنحى الوظيفي لكل عنصر من العناصر الثلاثة فقط.
وإذا عدنا إلى ما بنيت عليه هذه المقاصد الأسلوبية وجدناه على اعتبارين:
الاعتبار الأول: وهو الغاية العامة من إنتاج الخطاب الشعري، والذي يتمحور حول المضار والمنافع – دفعا أو استجلابا – بواسطة التخييل والمحاكاة، لتوجيه رأي، أو تصور، أو مشاعر المتلقي لحظة تلقيه الخطاب، ولو لحظة قليلة فقط كما هو في شعر أبي نواس الذي يصور كما قال إيليا حاوي – "حالة شعورية هاربة "(1)، أو تطول كما هو في شعر المتنبي المتسم بالحكمة والرصانة .
الاعتبار الثاني: نتائج الأفعال الممكنة الحدوث، والمستنبطة من خلال استقراء مادة الخطاب الشعري التراثي، وهي: الظفر، أو الإخفاق ، أو الرزء، أو النجاة .
وبتفاعل حاصل بين معادلة الغاية العامة للخطاب الشعري القائم على التخييل والمحاكاة مع معادلة نتائج الأفعال البشرية نتحصل على مقاصد الأساليب المفرزة من هذا التفاعل الحاصل عند نقطة التقاء المخاطِب، والخطاب مع التركيز على بنية الخطاب ذاتها لا عما هو خارج عنها .
لكنه يستدرك في نهاية المطاف النقد الموجه إليه،أو الذي توقع أن يوجه إليه، فأرجع المقاصد إلى أربعة طرق شعرية " وهي: التهاني وما معها، والتعازي وما معها، والمدائح وما معها، والأهاجي وما معها، وأن ذلك راجع إلى ما الباعث عليه الارتياح، وما الباعث عليه الاكتراث، وإلى ما الباعث عليه الارتياح والاكتراث معا "(2).
وهذه هي التي حصرها ابن رشيق من زاوية الوضع الخطابي بالنسبة للمخاطِب، وما جاء به حازم من تقسيمات وتفصيلات واصطلاحات مهمة جدا لأنها ولوج في عمق التخصص وتفصيل دقيق لجزئيات القوانين الشعرية، وإن كانت لا تخرج في نهاية الأمر عن مجال " الرغبة والرهبة "(3) المشكلين – حسب ابن رشيق – لبواعث تفجير الطاقة الإبداعية في أعماق الشاعر.
2- المبادئ المرجعية لمقاصد الخطاب الشعري:
هناك قيد عام يحكم كل مقاصد الخطاب الشعري، وهو الاحتزاز والحذر من " الجمع بين غرضين متضادين من هذه الأغراض، ويقبح من ذلك أن يكون الغرضان المتضادان كالحمد والذم، أو البكاء والإطراب، قد جمع بين أحدهما والآخر من جهة واحدة "(1)؛ لأن مقام البكاء مثلا لا يليق أن يؤتى فيه بالعبارات الدالة على الطرب والفرح لتخالفه وتعارضه مع الوضع الخطابي الذي يعد شرطا من شروط العملية التواصلية في الخطاب الشعري، فالمبدع " نحلة من النحل تلم بالأشياء لتبدع فيها المادة الحلوة للذوق والشعور [...] ويضع فيها روحا موسيقية بحيث يجيء الشعر بها وله وزن في شكله وروحه فيكون هذا الانسجام الروحي متناغما مع نفس المتلقي وحاله "(2).
غير أن الجمع بين المتضادين قد يكون مستساغا في كثير من الأوضاع التخاطبية، وذلك عندما" يكون المقصدان غير منصرفين إلى محل واحد، أو غير منبعثين من محل واحد، فلكل واحد منهما هدف معين لا يتحقق إلى في إطاره، ولا يمكن تحققه في إطار غيره "(3).
وأما ما يعد فنا من أفانين الشعر البديعية، فهو ذلك الذي " يكون أحد المتضادين يقصد به في الباطن غير ما يقصد به في الظاهر، فيكون في الحقيقة موافقا لمضاده فيما يدل على جهة من المجاز والتأويل وذلك نحو قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
فجمع بين المدح وبين ما يوهم أنه ذم، وهو في الحقيقة مدح "(4)، لأنه محسن بديعي معنوي له بعد جمالي دلالي خالص زاد من شعرية الخطاب المنجز؛ فظاهر البيت السابق يوهم المتقبل في شطره الأول أنه مدحهم ونزههم عن كل عيب إلا عيبا واحدا، وهو أن سيوفهم أفلت، وصارت مسننة قليلة الحدة من شدة الحروب، وكثرة المعارك، وهذه الكثرة دليل على شجاعتهم وحبهم للقتال، لا خوفهم من الأعداء، فصار الاستثناء مدحا كذلك؛ لأنه نزلهم منزلة الأبطال.
وقد تكون المعادلة عكسية، فتظهر الذم بما يشبه المدح نحو " قول ابن الرومي:
خير ما فيهم ولا خير فيهم *** أنهم غير آثمي المغتاب
فجمع بين الذم وما أوهم قبل استيفاء العبارة بصفته أنه حمد وهو في الحقيقة من أكبر الذم "(5)
وتحليل مضمون البيت يعلل ذلك ويوضحه حيث بدأ بعبارة مدح (خير فيهم) وهي ما تجعل الشطر الأول من الوحدة الخطابية الشعرية نقيضا يحمل في دواله تناقضا صريحا، وثنائية ضدية تدفع المتقبل إلى التساؤل حول الجمع بين المدح والذم، فيليه الشطر الثاني موضحا ثنائية الشطر الأول بقوله (أنهم غير آثمي المعتاب)، فيتحول الذم المبهم في نهاية الشطر الأول إلى صفة واضحة وجلية تعبر عن أسوإ ذم، حين تصير أحسن صفاتهم أسوأ الصفات عند الناس.
وهذه الثنائيات الضدية في قمة هرم الروعة والجمال البديعي على قلتها وندرتها في الخطاب الشعري العربي التراثي، مما يجعل قيمتها الجمالية تزداد حسنا، لأن الشيء إذا عز صار أداة ووسيلة لإحداث المفاجأة في نفس المتقبل، ويختص كل مقصد من مقاصد الخطاب الشعري بمميزات تجعل المتقبل في حالة إثارة مستمرة، ويتخذها المرسل مبادئ يبني على أساسها خطابه لحظة الإنجاز.
فيختص المديح مثلا في نقل التجربة الشعرية، أو الشعور تجاه الممدوح بدوال خاصة ينبغي أن تتجلى وتبرز وتهيمن على سطح الخطاب الشعري المدحي خاصة وأنه " بالقدر الذي يكون فيه اللفظ مطابقا للمعنى، بالقدر نفسه يتمكن المبدع – سواء أكان ناثرا أم شاعرا – من توصيل تجربته النفسية والشعورية إلى الآخر "(1)، ولهذا يجب على الشاعر تحقيقا لإنجاز تجربته الشعرية أن يسمو " بكل طبقة من الممدوحين إلى ما يجب لها من الأوصاف [...] ويجب أن يتوسط في مقادير الأمداح [...] فإن الإطالة مدعاة إلى السآمة والضجر [...] ويجب أن تكون ألفاظ المديح ومعانيه جزلة مذهوبا بها مذهب الفخامة "(2)، مثل " التيمن للمهنأ "(3)، وهو ما يغيب عن الفخر لأنه مقام اعتزاز يهيمن فيه حضور المخاطِب على سطح الخطاب عكس التهاني التي تكون الصدارة فيها للمخاطِب.
بينما الرثاء أسلوب جدي لا مجال فيه للخفة والرشاقة أو الطيش والسخف، بل قصيدة الرثاء " تمجد المرثي، وتعدد محاسنه، وتسجل ذكراه "(4)، ومن ثم وجب أن تكون وحداته الخطابية منسجمة مع المقام، فيأتي مضمونها " شاجي الأقاويل، مبكي المعاني، مثير للتباريح، وأن يكون بألفاظ مألوفة سهلة في وزن متناسب ملذوذ "(5).
ولا يقبل هذا الصنف من المقاصد المطلع العزلي، لأن الرثاء أسلوب جدي خالص يتنافى والمطلع العزلي ذا الطابع الهزلي المحض، وإنما يفتتحه "بالدلالة على المقصد، ولا يصدر بنسيب، لأنه مناقض لغرض الرثاء وإن كان هذا وقع للقدماء نحو قصيدة دريد يرثي أخاه التي أولها:
أرث جديد الوصل من أم معبد *** بعاقبة أم أخلفت كل موعد "(6)
وهذا غير لائق بغرض الرثاء، لأن النسيب فيه خفة وسخف، فيما يحتاج الرثاء إلى ذبول ورزانة.
ويركز الهجاء بالجملة على الجانب النفسي أي (إثارة المخاطَب)،لذا يشترط في الشاعر أن تكون له قدرة عالية في أفق التوقع، لكي " يقصد فيه ما يعلم أو يقدر أن المهجو يجزع من ذكره، ويتألم من سمعه مما له به علقة "(1). ويدخل ضمن أساليب الهزل التي تكون للمرسل فيها سلطة إبداعية مطلقة، وفسحة تامة في دارة التواصل والإبداع.
أما النسيب الذي هيمن على مطلع عصر الاحتجاج والاستدلال اللغوي بما في ذلك الشعريات، فيحتاج – باعتباره ضمن أساليب الهزل – إلى " أن يكون مستعذب الألفاظ، حسن السبك، حلو المعاني، لطيف المنازع سهلا غير متوعر، وينبغي أن يكون مقدار التغزل قبل المدح قصدا، لا قصيرا مخلا، ولا طويلا مملا "(2).
ولهذا استنكر ابن خلدون الخلط بين الجد والهزل، واستعمال ما لا ضرورة تستدعيه، أو مسحة جمالية تبرر حضوره، لأن " أساليب الشعر تنافيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل، والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال، وكثرة التشبيهات والاستعارات، حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب "(3).
وأما التهاني والفخر فيجاريان المديح في نسبتهما إلى الجد، ولو أن أسلوب التهاني يعتمد فيه الشاعر المعاني السارة، والأوصاف المستطابة، وأن يكترث فيها الشاعر بما يناسب ما أصاب المقصود بالخطاب من غبطة، لا بالحديث عن سلمى، وأم معبد و... الخ.
ويوجد نوع آخر من أساليب الرثاء هو رثاء الذات، فيندمج المخاطب في الذات المخاطبة أو يتحد المرجع مع مرسل الخطاب الشعري الرثائي، مثل رثائية مالك بن الريب التي " تنفرد عن قصائد الرثاء في أنها رثاء للنفس، وهذا جعلها بالتالي نمط وصفي مختلف [...] تصور معاناة ذاتية في وقت عصيب يعيشه الشاعر، فالمنية تتراءى أمامه وتتمثل بين عينيه، وهو بعيد كل البعد عن دياره، ومن تحويهم من القريبين إلى نفسه، حبا وشوقا وعاطفة "(4)، لكنها مع ذلك تقيدت بمقومات ومبادئ المطلع الاستهلالي المناسب لغرض وأسلوب الرثاء.
وهناك أسلوب من الأساليب الشعرية لا يمكننا إدماجه في الجد، ولا في الهزل؛ لأنه يختلف من قصيدة إلى أخرى وهو أسلوب الاعتذار والمعاتبات والاستعطافات، فهو أسلوب يجمع بين الأسلوبين، ويأخذ منهما حسب ما تمليه الحاجة، وما يقتضيه المقصد (الغرض)، فنجد فيه " التلطف والإثلاج إلى كل معتذر إليه "(1)، واللوم على من تلقى منه المدع إساءة ، أو إخلاف موعد، أو إفشاء سر .
وتختلف أيضا الأساليب في هذا الأخير بحسب الشخص المتلقي للخطاب الاعتذاري، أو العتابي أو الاستعطافي، فكل شخص ما يجب اتجاهه، لفظا، وعبارة، ودلالة، ونظما...الخ.
3- أسلوب الخداع والأوضاع التخاطبية:
تقوم عملية إبداع الخطاب الشعري – إلى جانب العناصر السابقة – على ما اصطلح عليه حازم " الحيل الشعرية "(2)، لأنها تعطي درجات التلوين الشعري أطيافا تشكلها الصور الشعرية المخيلة، فتصير " قابلة للقراءة بكل شهية "(3)، وأطلق عليها غابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel Garcia Marquez) اسم " موارد الحيل الأدبية "(4)، فيدرج المصطلح أعمال المبدع في خانة فنون الاحتيال على المتقبل، فتكون الخطابات الشعرية مختلفة في مذاهبها...، وأنحاء الاعتماد فيها بحسب الجهة أو الجهات التي يعتني فيها بإيقاع الحيل التي هي عمدة إنهاض النفوس لفعل الشيء أو تركه، أو التي هي أعوان للعمدة "(5)، وتقوم هذه الحيل أو الخداع على معطيات الوضع الخطابي ( مكتنِفات التخاطب)، فتهيمن وظيفة أخرى إلى جانب الوظيفة الشعرية، خاصة إذا علمنا أن " الكلام أولى الأشياء بأن يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس إلى تفاهمها بحسب احتياجهم إلى معاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع، وإزاحة المضارة إلى استفادتهم حقائق الأمور، وجب أن يكون المتكلم يبتغي إما إفادة المخاطَب، أو الاستفادة منه، إما بأن يلقي لفظا يدل المخاطَب، إما على تأدية شيء من المتكلم إليه بالفعل، أو معرفة بجميع أحواله، وإما بأن يلقي إليه لفظا يدل على اقتضاء شيئا منه إلى المتكلم بالفعل، أو اقتضاء معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول "(6).
فإفادة المخاطب أو الاستفادة منه، أو تحصيل معرفة بجميع أحواله، أو أحوال أحدهما، أو إرشاده إلى شيء يدل عليه، أو يقوم بأدائه يتجسد بشكل واضح في نموذج بوهلر الثلاثي الذي بني على منواله رومان جاكبسون نظريته في التواصل اللفظي(*)، لكن هذه المرة بشكل تطبيقي على تصور حازم، حيث تبدو واضحة في حصره قبول الكلام من ثلاث جهات منها " ما يرجع إليه، وما يرجع إلى القائل، وما يرجع إلى المقول فيه والمقول له "(1).
فأما ما يرجع إلى الكلام فيركز فيه المرسل على الخطاب الشعري ذاته، فتهيمن الوظيفة الشعرية على كل الوظائف الأخرى، لأن بؤرة العملية التخاطبية هي (الرسالة الشعرية ذاتها). وأما ما يرجع إلى المقول فيه أو المقول له فتبرز فيه وظيفتان إلى جانب الوظيفة الشعرية وهما: والوظيفة المرجعية باعتبار عامل المقول فيه (المرجع)، والتي " كثيرا ما تقع فيها الأوصاف والتشبيهات وأكثر ما يستعمل ذلك مع ضمائر الغيبة "(2)، لعدم حضوره داخل محيط التخاطب، فتستعمل الدوال اللغوية (ضمائر الغائب، أسماء...) عوض إحضاره، غير أن الخطاب لا يوجه إليه مباشرة، وإنما هو موضوع الخطاب.
أما ما يرجع إلى المقول له فتهيمن داخله الوظيفة الافهامية على هرمية الخطاب ، لأن التخاطب " يرجع إلى السامع "(3)، ويتميز بهيمنة نوع من الصيغ تجعل الرسالة موجهة بدقة إلى قوم، أو شخص بعينه، " وتتجسم هذه الوظيفة خير تجسيم في صيغة الدعاء، وصيغة الأمر، وهما صيغتان متميزتان في تركيبهما وأدائهما ونبرة وقعهما "(4)، وبحكم هيمنة أبنية الأمر والدعاء على نظام دوالها والتي توجه إلى المتقبل " تكثر فيها المسموعات التي هي أعلام على المخاطبة "(5).
وقد جمعنا بين هاتين الوظيفتين لإمكانية وقوعهما مع لحظة واحدة، وفي وضع خطابي واحد عندما يكون المقول له هو عينه المقول فيه، وهذا يكثر في الخطاب الشعري المدحي، والنسيب، بينما ينفرد المقول فيه في الرثاء، أما انفراد المقول له فيحصل في عملية التلقي، فيكون المتلقي شخص معين، والمقول فيه شيء أو شخص، فتنكسر رابطة التلازم بينهما.
وأما باعتبار القائل فيكون في الشعر الرومانسي الذي يركز على الذات الشاعرة، وقد تجلت " هذه النزعة في الأدب المهجري، أو أدب الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، وكانت الأولى بأمريكا الشمالية والثانية بالبرازيل "(6)، لكن وجوده في الشعر العربي التراثي غير عزيز، بل يوجد بكثرة، وخاصة في الخطاب المدحي، والعزلي أو الشكوى، والاعتذار، وتهيمن فيه الوظيفة الانفعالية " المسندة إلى ضمير المتكلم كثيرا "(7).
غير أن ما يؤكد(*) عليه حازم، ويلح على ضرورة النظر فيه ومراعاته هو التنويع الحاصل بين هذه الضمائر، فالخطاب الشعري قائم على عملية التنويع المستمر بينها على الرغم من هيمنة ضمير معين ليترجم هيمنة وظيفة بعينها، لكن هذه الهيمنة لا تقصي أو تبعد حضور الوظائف الأخرى عبر الضمائر المناسبة لها، وإن كان حضورها متفاوتا.
لكن هذا الحضور للوظائف الأخرى إلى جانب الوظيفة المهيمنة مهم للغاية؛ لأنه يولد طاقة تعبيرية شعرية إضافية، ويجعل داخل الخطاب حيوية مستمرة تترك دائما المتلقي متحفزا للاستقبال والتلقي، " لذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير متكلم أو مخاطب لا يستطاب، وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض "(1).
لكن السؤال المطروح الآن: ما العلاقة بين هذه الوظائف وهذه الاعتبارات والحيل الواقعة في الخطاب الشعري حتى عُد عمدة من أعمدة بنيته المتميزة من غيرها ؟
إن الشاعر يتخذ مواقف متباينة بحسب تباين هذه العبارات داخل الوضع التخاطبي، فيفرض ذلك على الشاعر خداعا كلاميا يحقق به القناعة التامة لدى المتلقي، يقوم على اللغزية (Aporia)، التي اقترحها (جاك ديريدا، وبول ولمان) ليتألف الخطاب من " إنشاء مزدوج يؤدي بالتالي إلى تناقض المعاني التي تصبح بعد ذلك غير قابلة للتحديد، ومن ثم فإن اختيارنا أحدها وإعطائه الأسبقية والأهمية يصبح مجرد ابتسار وقمع لانتشار المعنى، من خلال هذه الممارسة يقول التقويض إن (الحقيقة) الوحيدة هي وجود هذه اللغزية المطلقة في ثنايا وطيات الخطاب عموما "(2).
وهذا الغموض الدلالي مهارة يعتم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ghilous.hooxs.com
 
الأصول الأسلوبية للخطاب الشعري الطاهر بومزبر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية  :: لغويات :: لسانيات-
انتقل الى: