خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية

المعرفة للجميع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أصــول الشعرية العربية ﴿نظرية حازم القرطاجني في تأصيل الخطاب الشعري﴾ دراســـــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غيلوس
Admin


عدد المساهمات : 60
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 17/04/2009

مُساهمةموضوع: أصــول الشعرية العربية ﴿نظرية حازم القرطاجني في تأصيل الخطاب الشعري﴾ دراســـــة   الإثنين مايو 09, 2011 11:19 am

الطاهر بومزبر
أستاذ اللسانيات بقسم اللغة والأدب العربي
جامعة جيجل ـ الجزائر











الإهداء
إلى شمس نهاري وقمر ليلي, إلى أمي وأبي .
إلى الذين علّموني أصول الكتابة, وزرعوا في قلبي حب اللغة العربية الجميلة, إلى أساتذتي كافة .
إلى كل من يقرأ هذا الكتاب باحثا وقارئا ومحبا, إلى طلبتي الأعزاء .
إليكم جميعا هذا السراج المنير في الكهوف العجيبة للشعرية العربية الضاربة في أعماق الماضي .


المقدمـــة

يمكن القول بأن دراسة الخطاب اللساني العربي بآليات ومقاربات منهجية معاصرة أضحى جديرا بالاهتمام بين الباحثين، والعلماء المختصين في حقوله المختلفة على اختلاف منطلقاتهم ومشاربهم نظرا لما وفّره علماء اللسان العربي في الخطاب التراثي من خلال المسح الشامل لمختلف علومه، حتى صارت حقوله بؤرة جذابة لاهتمام اللساني المعاصر في معالجة الخطابات اللسانية (النحوية، والصرفية، والصوتية، والدلالية، والبلاغية، والنقدية...).
وعلى الرغم من الأحكام التي صدرت بشأن هذه المادة اللغوية في وقائعها المتباينة (سواء كانت كلاما أم كلاما عن الكلام)، إلا أنها تبقى ملاذ كل باحث يصبو إلى التأصيل المنهجي، أو النظري، أو إحياء مقولات ومباديء الخطاب العربي التراثي، أو إعادة صياغته في قوالب منهجية واصطلاحية معاصرة تتوافق وتنسجم مع معطيات روح العصر، ومن هنا تتجلى أهمية هذه القراءة التي نهدف من ورائها إلى التأكيد على صلاحية بعض الأفكار اللسانية التراثية لمعالجة الكثير من القضايا الراهنة التي لم نجد لها في الدرس الغربي ما ينسجم مع الشروط الموضوعية لتعاطيها، نظرا لتباين الوقائع اللسانية الخاضعة للتشريح في هذا المحور العلمي حينا، وتعارضها حينا آخر مع القضايا اللسانية العربية المطروحة على بساط الدراسة والبحث .
غير أن العمل العلمي الإجرائي سواء كان – دحضا أو إثباتا - يحتاج دائما إلى رؤية واضحة بشأن ما يطرقه بالدراسة والتحليل، إلى جانب منهج يؤطر عمله، ويدعم به رؤيته وفكرته النظرية المفترضة.
وإطارنا النظري الذي نتحرك فيه ولأجله، وندخل من خلاله إلى ما بين أيدينا من خطاب لساني عربي تراثي هو الإطار النظري الذي رسمت حدوده اللسانيات مادة ومنهجا واصطلاحا، لنطرق هذه الرؤية النظرية في ضوء منهج يعتمد على تحليل الوقائع اللغوية.
وإذا كانت الرؤية ضرورية في إثبات شيء، أو فكرة، أو دحضها، فقد حددنا الرؤية إلى المادة المدروسة من ثلاث زوايا لا تعدمهما كل قراءة تصبو إلى الدقة والضبط المنهجي، والتصور العلمي الشامل والهادف، وتنحصر في: المفهوم المحوري، والموقف المحوري، والقضية المحورية.
فالمفهوم المحوري هو عمود القراءة حيث يهتم القارئ بعنصر معين، فيشكل لديه مفهوما له مجال معرفي محدد، أو موقع ثابت في هذا المجال.
ومحور مفهوم قراءتنا ينحصر المقولات النظرية اللسانية عامة بصرف النظر عن صاحبها ومنهجه في تعاطي القضايا اللسانية، لكي نجعل فضاء القراءة رحب الأفق، عميق النظر، واسع المجال .
أما الموقف المحوري فيشكل المحور المنهجي الذي ننسج على منواله مفهومنا الكلي، مركزين على التدرج المنطقي تبعا لمادة المدونة، وأساسيات المنهج الوصفي، مع الابتعاد بالقراءة عن كل مصطلح أدبي يفسد عمليتها، أو يدفعها إلى الانسياق وراء ميل عاطفي بشان مادة القراءة، قصد الدفاع عنها، لان القراءة التي نأمل تحقيقها في مدونة حازم التي عنوانها (منهج البلغاء وسراج الأدباء) هي " القراءة الموضوعية الحقة، التي لا تغفل المنطق الداخلي الخاص للتراث من جهة، ولا تتعامل معه بمعزل عن الوعي المعاصر من جهة أخرى، هي قراءة لا تخلع عن [...حازم...] أزياءه ومفاهيمه لكي تكسوه أزياء جديدة، وتخلع عليه مفاهيم معاصرة، وهي قراءة لا تزعم لنفسها – ولا تستطيع - الانسلاخ عن الحاضر الراهن بكل همومه الفكرية والثقافية" ومن هنا نكون قد أدرجنا القضية المحورية التي تشكل في القراءة افتراضا محتملا.
والقضية المحورية هي مساءلة بسيطة ذات إطار مرجعي لساني في الخطاب العربي التراثي تحت علم اللسانيات الشعرية وهو " المنهاج" ؛ وحجم انسامه الممكن مع الدوال اللسانية المكثفة الشديدة التركيز والدقة في معالجة القضايا وضبط المفاهيم، فتأخذ القراءة – منذ البداية – طابعا تحليليا مباشرا، بطريقة جدلية، وليس إسقاطا آليا تفاديا للتأويلات غير المنسجمة مع النظرية اللسانية المعاصرة، أو مع المعرفة الباطنية لهذه المدونة، أو شحنها بدلالات ومفاهيم غريبة عن دلالة نصوصها، فيمحى " الفارق الزمني ويصبح الأموات معاصرين لنا نستشيرهم ونحاورهم في أشياء مستجدة لا يمكن أن يكون لهم فيها رأي"

وسنطبق المنهج الوصفي الذي ينطلق من المدونة ليعود إليها باعتبار المادة المقروءة، وبالتالي يكون المنهج الوصفي هو المهيمن أثناء الدراسة والتحليل لأنه هو أنسب منهج لمثل هذا الصنف من الإجراءات العلمية.؛ بوصفه أداة منهجية في تحليل الخطاب مهما كان نوعه، وهو مجموعة آليات التحليل للاتصالات اللفظية المختلفة مستعملا طرقا نظامية وموضوعية لوصف مضمون الرسائل، وهو بذلك ينسجم مع علم الشعريات بوصفه الدراسة اللسانية للوظيفة الشعرية في سياق الرسائل اللفظية عموما وفي الشعر على وجه الخصوص.
ويبقى المنهج الوصفي النموذج المنهجي الأمثل في هذه القراءة بتركيزه على الكلام وفعل العملية المتواصلة محتفظا في فهم ذلك بمدخل وحيد إلى علم الكلام وهو الجوهر المادي للخطاب، فقد زال بالنسبة إلينا حازم وزال عهد الحفصيين في تونس، وزالت ظروف إنتاج المدونة غير أن المدونة بقيت مشحونة بخطاب يشكل كلاما حول العملية الإبداعية في مجال الخطاب الشعري أي كلام عن الكلام "والكلام على الكلام صعب" كما يقول أبو حيان التوحيدي، لأنه عملية تجريدية لما هو محسوس، وانتقال العقل من الملموس إلى المجرد صعب جدا، أي الحديث عن اللغة بما وراء اللغة تغريب وتغييب للدلالة وإرباك لإدراك المتقبل.
ونهدف من قراءتنا إلى إثبات علاقة التأثير والتأثر بين الحضارتين (العربية والغربية قديما وحديثا )، لإقرار صلاحية التوقع الذي افترضناه، والمشاركة ولو بكلمة في البعث الحضاري اللساني الجديد، وإقامة مناهج لسانية لها هويتها العربية، وأصولها التراثية، والتي خطا فيها الدارسون العرب اليوم خطوة عملاقة وشجاعة وان كانت قليلة، وغير كافية بالنسبة للمحور الغربي الموازي.
ونسجل في قبل الشروع في القراءة مشكل اختيار المصطلح المناسب لاستنطاق خطاب مضت عليه قرون من الزمن، فنستنطق الأموات بلغة عصرنا، ونريد أن نحمل أقوالهم ما لا تطيق من حمولة دلالية تزيد أو تقل طاقتها عن طاقة ما ورد في محتوى المدونة، ولهذا اعتذر إذا أنا أفرطت في العمل على إقحام ما ليس من المدونة (المنهاج) إلى ما هو جدير بالذكر فيها، أو أفرطت في إعادة إلباس أفكار حازم أزياء اصطلاحية جديدة تنسجم مع مادته العلمية المنجزة وتتساوق وروح العصر.
ولقد بدأنا عملنا بتقسيم مادة المنهاج إلى ثلاثة أبواب، وكل باب جعلناه في أربعة فصول، مستعملين طريقة تصنيف المادة العلمية الواردة في المدونة، فبدأنا بالأصول الدلالية، ثم الباب الثاني للأصول البنائية، فالباب الثالث للأصول الأسلوبية، ونختم قراءتنا بنتائج تبقى في مجملها جمالية ذات مقبولية للإقناع، كما نفتح فيها أبواب الرفض والدحض خاصة مع كثرة التيارات، والإيديولوجيات والنظريات في الوقت الراهن، لكنها تهدف في مجملها إلى إثبات صلاحية إعادة صياغة التراث اللساني العربي بمنهج معاصر مع المحافظة على الهوية الحضارية في الحقل المدروس .



























الباب الأول


الأصول الدلالية للخطاب الشعري
















الفصل الأول: تشكيل الدلالة الشعرية في المثلّث العلامي

لقد استهل حازم مدونته بمنهج نظري يختص به علم الدلالة (Semantics)، حيث تناول فيه فكرة تشكل المعنى من ثلاثة معالم لا يتخلى الواحد منها عن الآخر في تآلف الكلام، وانسجام المعنى في أذهان الناطقين بلسان واحد عبر ما سماه " طرق العلم بالمعاني " ، ذلك أن هناك أشياء خارجة عن العلامة، لكنها لا تستغني عنها، وإنما ترجع إليها، وهي الموجودات، فاستبدلت بما أطلق عليه حازم " الهيئات النطقية " ، أو العبارات، ومن هنا نحصل على ثلاث زوايا تمثل الزاوية الأولى الدال (المعنى)، وتحيل الزاوية الثانية على الأشياء، أو الموجودات العينية، أما الثالثة فهي الاستعاضة النطقية للأشياء أو الموجودات عبر (الدال) أو الكلم.
ويبدأ تشكل هذا المثلث بدءا من الذهن، لتتكون فكرة عن الأمور الموجودة في الطبيعة الحسية فتنتقل من المتكلم إلى السامع بمداليل أو عبارات توضع أساسا لكي تحيل المتلقي على تلك الموجودات العينية أو الطبيعية بدل إحضارها لحظة التخاطب.
وقد أجمل حازم ذلك في قوله : " لما كانت المعاني إنما [ تتحصل ] في الأذهان عن الأمور الموجودة في الأعيان، وكانت تلك (المعاني) إنما تتحصل في الذهن بأعلام من العبارة " .
وإذا حاولنا أن نمثل ذلك عبر زوايا مثلث لكان التعبير أروع، والتحليل مدعما يمكن تصور نموذجه في مثلث على كل رأس منه عامل تكوين وتحصيل ماهيات المعاني فيكون كالتالي:








و بهذه المعادلة الثلاثية يمكن إدراك المعاني والعمل بها، حيث تكون معادلة المعرفة الحاصلة لدى الناطقين بحقيقة المعاني بدءا من المعاني ذاتها، فالمدركات الذهنية العاكسة لشكل موجودات عينية أو أشياء مجسدة أو مجردة في العالم الخارجي، ثم التشكل اللساني لأبنية وأنظمة لغوية معبّر عنها بعلامات لسانية وفق نظام محدد .
فإذا اهتم الدرس اللساني المعاصر بهذه المعادلة، وإن اختلفت تسميتها، وتمكن الباحثون من تخصيص علم قائم بذاته لهذا الحقل اللغوي الدلالي الثري، لربط المداليل والدوال بالمراجع، بل إن جاكسبون يعبر عن ثقته في النجاح الكبير الذي أحرزه اللسانيون في حقل الدلاليات، بحيث نجد " العناصر التي هي من قبيل الكلمات المعزولة قد أمكنتها معالجتها، في التراث اللساني، في علاقتها مع الأشياء وفق شعار كلمات وأشياء " .
فالكلمات هي الدوال، والأشياء هي الموجوات التي تحيل عليها الكلمات، فتعطي نتاجا ملموسا من عملية المزاوجة بينهما فيولد معنى راسخ في ذهن المجتمع اللساني.
غير أن الشعريات تهتم فقط بمجال العلاقة بين العنصرين الحاضرين أثناء عملية التخاطب وهما (الدال والمدلول)، فتكون " ثمة جيئة وذهاب مستمران بين الدال والمدلول وبالعكس، فعلم الأدب يحاول بحث العلاقات بين المدلول ( أ ) وبين المدلول (ب) من خلال الدراسة التفصيلية للعلاقات المتبادلة بين كل العناصر الدالة (ب1، ب2، ب3،...، ب ن)، وبين كل العناصر المدلولية (أ1، أ2، أ3، ...،أ ن)، فالعلاقة بين الدال والمدلول تستخرج من تكامل كل هذه العلاقات بين العناصر " . ومن هنا يأتي التأكيد على أهمية هذه المقدمات الأولية في منهج الشعر، أو تشكيل خطابه، بل يرجع العقم الذي شاع على شعر المشرق في عصره إلى انعدام من " نحا نحو الفحول، ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام، وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها، فخرجوا عن مهيع الشعر ودخلوا في محض التكلم " .
ومن خلال ما سيأتي لاحقا ندرك كيف استثمر حازم القرطاجني أصول مبادئ الكلام، في فهم الشعر وإنتاجه وتحليله ووصفه وتأويله وتصنيفه على عمود الهرم الشعري والوضع الخطابي الذي أنتج فيه وظروف وملابسات إنتاجه.
ولا أظن أن يكون محور المنهج الأول قد دارت حوله هذه السطور القلائل فقط إذ هناك من الأدلة ما يجعلنا نفترض غياب قسط كبير من فصوله التي يسميها (معلم أو معرف أو مأم) على التوالي، فلا يوجد منهج من مناهجه إلا ونسجه على هذه المصطلحات الثلاثية في صفحات متساوية العدد تقريبا، إلا هذا المنهج فعلى غير العادة يتضمن (معلما واحدا)، وهذا الدليل يعتبر استنتاجيا وأقل علمية؛ لوجود الافتراض واستحالة التوصل إلى نتيجة ملموسة واقعية، أما الدليل الثاني الذي هو كلامه الصريح فلا مجال للشك معه في كون المنهاج تنقصه صفحات كثيرة.
يشير حازم في هذا الصدد بعبارة واضحة في المنهج الثاني إلى تجنبه الإطالة في الشرح، والإطناب في التحليل، تحاشيا لفقدان المنهاج عنصر التساوي في الكم، فيحيل في معالم كثيرة من المنهج السابق لحث القارئ على التعمق والبحث بنفسه فيما كان يستحق الإطالة، وتعمد فيه الإيجاز قائلا: " فهذه لمحة ترشد إلى جهات اقتباس المعاني، وعلى الأنحاء التي تستحسن في تأليفها واقترانها والنقلة من بعضها إلى بعض، ومنع من تفصيل ذلك الاضطرار معه إلى الإطالة الكثيرة، فليتول الناظر تفصيل ذلك بنفسه ".
وهذا الدليل يحيلنا على ضياع شيء من المنهاج مما يزيد في بعدنا عن المنحى العميق في أفكاره التنظيرية، لأن المنهج الأول من هذا الباب تنظير في علم الدلالة.
الفصل الثاني: تشكيل المعاني بين جمالية النشأة وجمالية التلقي

إن من أروع ما قال هوجو كوهن (Hugo Hukn) تحديده للعلاقة بين الحقلين الأدبي واللساني من خلال منتجي الخطابين في " تنبيه إلى أن عالم الأدب يحتاج في دراسته التحليلية على الأقل إلى قدر مع علم اللغة، يكفي للفهم اللغوي للنصوص، كما يحتاج عالم اللغة إلى قدر من المقولات الأدبية يكفي للإحاطة اللغوية بالنصوص الأدبية ". وبطريقة عقلية منطقية يمكن إثبات وجوب الإحاطة الشاملة أو الجزئية لمنتج الخطاب الشعري أو قارئه، بالمقولات اللغوية والأدبية، فيعرف من أين أخذ السابقون أطراف المعاني الشعرية بصفة شاملة ، سواء فيما يتعلق بالمعنى ذاته، أو بالهيئات والظروف المحيطة بإنتاجه أو بالمنتج ذاته أو بالمتقبل أو متلقي الخطاب، أي المعني بالخطاب الشعري، لأنه يلقى في محيط عام، لكن المقصود به معين ومحدد سواء بالقصد المباشر أو بالتلميح، وخاصة عندما يوجه الخطاب في شكل نسيب، أو مدح أو هجاء.
وعلى هذه المدارك والمقاصد يبني حازم مسالك الشعراء في استحضار المعاني، وكيفيات انتظامها أو تنظيمها وتأليفها وبنائها.
1-الدافعية الأولية لبناء المعاني الشعرية:
يفرض حازم على كل شاعر إذا أراد أن يتبين بأن هناك محفزات ومحركات، أو بعبارة فيزيولوجلة (مثيرات) تحرك قرائح الشعراء، ويلح على " من أراد جودة التصرف في المعاني وحسن المذهب في اجتلابها، الحذق بتأليف بعضها إلى بعض أن يعرف أن للشعراء أغراضا أول هي الباعثة على قول الشعر، وهي أمور تحدث عنها تأثرات وانفعالات للنفوس، ولكون تلك الأمور مما يناسبها ويبسطها أو ينافرها ويقبضها، أو لاجتماع البسط والقبض والمناسبة والمنافرة في الأمر من وجهين ".
وانطلاقا من هذه النتائج يمكن استخلاف البواعث والمحفزات على تأليف الخطاب الشعري، فالأول يقابلانه المسرة والرجاء، والثاني يقابلانه الكآبة والخوف، أما الثالث فيقابله التحول من السار إلى المؤلم. ،وكل باعث يقابله مدلول خاص

إن العنصر المهيمن في الحالات الثلاث – وإن اختلفت في مدلولها ومكوناتها الدلالية وهدفها المنشأة لأجلها – هو العامل المنتج لها وهو المرسل (الباث) الذي يركز فيها على ذاته تجاه ما يوصف، وبالتالي فالهيمنة إلى جانب الوظيفة الشعرية تكون آليا الوظيفة الانفعالية، باعتبار أن الفعل الخطابي إنما أنتجته بواعث وانفعالات وتأثرات ومحفزات سماها حازم " بواعث نظم الشعر ". وبالتالي تكون مثل هذه المسلمات الأولية منشأ كل خطاب شعري ينزع بطبيعة الحال " إلى التعبير عن عواطف المرسل ومواقفه إزاء الموضوع الذي يعبر عنه، ويتجلى ذلك في طريقة النطق مثلا أو في أدوات تعبيرية تفيد الانفعال كالتأوه أو التعجب، أو دعوات الثلب، أو صيحات الاستفسار". وتسمى هذه الانفعالات أو المثيرات " أغراض النفوس ".
وتعتبر العواطف كالخوف والرجاء والرضى والغضب أنواعا تدخل تحتها أنواع أخر كالمدح والنسيب والرثاء وإذا حاولنا تفسير هذه التسلسلات النفسية للعملية الإبداعية في الخطاب الشعري من وجهة نظر اصطلاحية معاصرة، فإننا نجد المصطلحين المتلائمين مع ما ذهب إليه حازم هما " اللذة والألم ".
فاللذة والألم مصدران نفسيان قطبيان في توليد وبعث روح الإبداع، بينما أسقط جاكبسون عنصر اللذة وركز على الألم الذي يعتبره المهد المناسب لاحتضان الخطاب النوعي المميز بشكل عام، بل يعتبر " الألم وحده هو أم الشعر الحقيقي " ذلك أن " لحظة العياء والحزن التي تعقب إشباع الحب، والاحساس بالعياء والحذر يتبلور في حافز عرفي تحبكه التقاليد الشعرية بعمق " .
لكن لو تأملنا بعمق لوجدنا تلك اللحظة المصاحبة للحذر والخوف، فإننا نجدها لحظة سبقتها أو تخللتها لحظة أخرى مملوءة بالارتياح والبسط، لكن التخوف لا يفارق تلك اللحظات فيدفع المتخوف أو الحذر أو المتألم إلى التعبير عما يجول بخاطره، ويهز إعصاره نفسه خوفا ورجاء.

2-الدلالة الشعرية:
تنقسم انطلاقا من المبدأ المتوصل عليه وهو " اللذة والألم "، وتأرجح الأجناس والأنواع الشعرية بينهما إلى :
- المحفزات الدافعة إلى القول.
- أو أحوال المتحركين لها.
- أو وصف الحالين معا.
وتكون الدلالة الشعرية شاملة عندما تشمل الحالين معا .
وتنحصر قيمة الدلالة الشعرية باعتبار ما تشير إليه في ثلاث حالات:
- تعرية الشيئ عن الصفات المقدمة إلى شيء فيكون الحكم سلبيا.
- أو تأكيد الانتساب بحكم إيجابي.
- أو المراوحة بين النفي والإثبات.
وبالتالي تكون الشعرية محصورة في علاقة الأشياء ببعضها على الشكل التالي:
قيمة الدلالة الشعرية النفي الإثبات اجتماع القيمتين
طبيعة العلاقة بين الشيئين سالبة موجبة تراوح العلاقة

وتبقى هذه القيم بالنسبة لمنتج الخطاب تدل على مقاصد المتكلم، وأحكامه في التصورات، والتديقات المتعلقات بغرضه معان ثوان ينوطها بمعاني كلامه لنبين فيها أحكاما وشروطا .
فالدلالة الشعرية عنصر رئيسي في بنية الخطاب، لكنها تبقى مصحوبة بدلالات إيحائية أطلق عليها حازم كما مر " معنان ثوان ".
3-الخطوات المنطقية لتشكل سلسلة المعاني:
لقد استدرج حازم عملية تشكل المعاني لدى الناطقين بلغة معينة عبر أربعة مراحل – ولا يخرج الخطاب الشعري عن النظام اللغوي السائد فيها - فالمعاني قبل كل شيء هي " الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخطأ [...] صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ ".
فأصل المعاني وجود عيني رسخ في الذهن، ونتأ على سطح إدراكه فصار مدلولا، ثم نطق به عبر وحدة أو سلسلة وحدات صوتية تكون ألفاظا أي (دوال)، وتنتقل إلى الآخرين (المتلقين) إما نطقا أو كتابة.
ويمكن تجسيد الخطوات على الشكل التالي:




وقد أسقط العنصر الأخير باعتباره ليس " من مبادئ هذه الصناعة " ، أي ليس له دخل في تشكل المعاني الشعرية، بل إن دخول الخطاب الشعري المربع الأخير وتحوله إلى رسوم خطية يفقدانه عنصر الأداء الذي يحدد فيه الشاعر النوطات الصوتية له، لأن الشعر إنتاج فني لفظي وأدائي في الآن نفسه.
ولهذا ركز الفكر اللساناي المعاصر على المكونات الثلاثة " الموجودات العينية، والصور الذهنية، والدوال اللفظية "، حيث يتم وفقها حصول المعنى أو الدلالة بعملية ثلاثية، فسماعنا سلسلة أصوات معينة يحدد لنا الدال، ثم إن ذلك الدال يحيلنا على متصور (un concept) قائم في مخزوننا الذهني، وذلك المتصور هو المدلول، ثم إن هذا المدلول يحيلنا على ما هو صورته، أي على الشيء الموجود فعلا في العالم الخارجي المحسوس، أو الخيالي، وذلك الموجود فعلا هو ما يسمى بالمرجع (référant) ،
ويبقى الفرق في المنطلق الأول حيث بدأ الدكتور عبد السلام المسدي من حيث توقف حازم، وتوقف من حيث بدأ وجسده المسدي في مثلث (ريتشاردز وأوجدن) التالي:





......................

4
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ghilous.hooxs.com
 
أصــول الشعرية العربية ﴿نظرية حازم القرطاجني في تأصيل الخطاب الشعري﴾ دراســـــة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
خيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة أولاد دراج * العلـــــمية  :: لغويات :: لسانيات-
انتقل الى: